الطرف الأول، الجولة 1
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله. أستفتح بحمد الله، وأُقرّر أن دعواي: «ذهب الزينة عليه زكاة»، وأعرضها في سبع نقاط، كل واحدة ببيان الدعوى، والدليل، ووجه الدلالة.
**١- دعوى: في المسألة نصٌّ مرفوع صريح صحيح الإسناد يأمر بأداء زكاة الحلي.**
الدليل: ما رواه أبو داود (184_1339) والنسائي (319_2444) عن حسين المعلِّم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن امرأة أتت النبي ﷺ ومعها ابنة لها وفي يدها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: «أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟» قالت: لا، قال: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟»، فخلعتهما. ووجه الدلالة: أن السؤال عن زكاة الحلي الملبوس نفسه، مقرونًا بوعيد على منعها، ثم ختمه النسائي بلفظ «أَتُؤَدِّينَ زَكَاةَ هَذَا؟»، وهو ظاهر في أن الحلي كسائر الأموال النامية في حق الأداء، لا في زينة لا زكاة فيها.
**٢- دعوى: هذا الإسناد حسن، وقد تُتبِّعتُه رجلًا رجلًا، وطرقه متعددة عن حسين المعلِّم فلا يضرّه تفرد.**
الدليل: سلسلة أبي داود: خالد بن الحارث (٢٦٢٥) عن حسين بن ذكون المعلِّم (١٣٢٧) عن عمرو بن شعيب (٦١٤٤) عن أبيه شعيب بن محمد (٣٨١٥) عن جده عبد الله بن عمرو (٤٩٨٠). خالد بن الحارث «ثقة ثبت» احتج به البخاري ومسلم، وحسين المعلِّم وثّقه البخاري والنسائي والدارقطني والعجلي وأبو حاتم، وقال ابن حجر: «ثقة ربما وهم»، وألانه ابن القطان باضطراب وردّه ابن حجر بأن الاحتجاج به قائم. وعمرو بن شعيب: وثّقه النسائي والعجلي والبيهقي وأحمد بن سعيد الدارمي، وقال أحمد: «له أشياء مناكير»، وقال أبو داود: «أحاديثه عن أبيه عن جده ليست بحجة»؛ والجرح هنا غير مفسَّر، والتوثيق مقدَّم، والترمذي نفسه يفسّر سبب الكلام فيه بأنه «يحدث عن صحيفة جده». وشعيب بن محمد: «صدوق»، قال ابن حجر: «صدوق ثبت، سماعه من جده»، وقال أبو حاتم: «يكتب حديثه ولا يحتج به وهو صدوق». فالإسناد متصل، رجاله ثقات أو صدوقون، لا مدلِّس فيهم، فحكمه الحسن على الأقل. ويشهد لتعدّد طرقه أن المسكتين رُويت من طريق حسين المعلِّم عن عمرو بن شعيب من ثلاثة من الثقات: خالد بن الحارث (184_1339، 319_2444)، وأبو أسامة (542_1750، 833_985)، ومحمد بن أبي عدي (73_913)، فترتفع الرواية إلى الحسن لغيره.
**٣- دعوى: طعنُ الترمذي إنما أصاب طريقًا آخر غير طريقنا.**
الدليل: حديث الترمذي (195_576) وشرح السنة (370_1580) إنما ساقاه من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب، وقال أبو عيسى: «وَالْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ، وَابْنُ لَهِيعَةَ يُضَعَّفَانِ فِي الْحَدِيثِ، وَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ». وأسلّم بضعف ابن لهيعة ولا أعتمد روايته ولا رواية المثنى بن الصباح، وإنما أعتمد طريق المعلِّم الذي قوّاه من قوّاه من الحفاظ، وهذه مغالطة منهجية أن يُردّ الطريق الصحيح بضعف طريق آخر. ومما يؤكد تمييز الطريقين قول النسائي في 319_2444 عند رواية المعتمر: «خَالِدٌ أَثْبَتُ مِنَ الْمُعْتَمِرِ».
**٤- دعوى: آثار السلف على الوجوب، وهي تعضد النص المرفوع.**
الدليل: في مصنف ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي: «فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ» (96_9945)، وعن عبد الله بن شداد: «فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ حَتَّى فِي الْخَاتَمِ» (96_9953) — وأعني بالحلي هنا الذهب الملبوس؛ وفي الأموال للقاسم بن سلام (73_922) عن مجاهد وعطاء: «إِذَا بَلَغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، أَوْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، فَفِيهِ الزَّكَاةُ»، وعن طاوس (73_921) مثل ذلك. ولا يُعرف لهؤلاء مخالف من الصحابة في الحلي الذهبي سوى ما سيأتي في النقطة السادسة.
**٥- دعوى: الكتاب والسنة يعمّان الذهب والفضة بحقّ الأداء، فلا مساغ لإخراج الحلي الملبوس بغير نصّ مخصّص.**
الدليل: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]، ثم وصف الجزاء في الآية التالية. وقوله ﷺ في حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم كما نصّ عليه البيهقي (673_12135): «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ، وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا...». ووجه الدلالة: العموم لم يُخصّ منه الذهب الملبوس إلا بدليل، ولا دليل صحيح يخصّه.
**٦- دعوى: ما يُعارض به من الحديث المرفوع باطل لا أصل له، وما يُعارض به من آثار الصحابة موقوفٌ لا يقاوم المرفوع.**
الدليل: أما الحديث المرفوع «ليس في الحلي زكاة» فقد نقله الشوكاني في الفوائد المجموعة (1015_127) والملا علي القاري في الأسرار المرفوعة (1012_220) وقالا: «قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنْهُ مَرْفُوعًا: "لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ"، فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ». وأما ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر في الموطأ والشافعي والطحاوي (378_401): «أَنَّهُ كَانَ يُحَلِّي بَنَاتَهُ وَجَوَارِيَهُ الذَّهَبَ، ثُمَّ لَا يُخْرِجُ مِنْهُ الزَّكَاةَ»، فهو ثابت عنه، ولا أُنكره، لكنه قول صحابي موقوف، والقول لا يعارض المرفوع عند الجمهور، ولعلّ ابن عمر ذهب إلى أن الحلي الملبوس في معنى العارية لا في معنى الكنز، وقد خالفه عمرو بن شعيب نفسه في المرفوع، ومخالفة الصحابي لصحابي في محل الاجتهاد لا تُسقط النص.
**٧- دعوى: حاصل الاستدلال.**
الدليل على ترجيح القول بالوجوب أمران: الأول وجود نصّ مرفوع في الحلي الملبوس الذهبي صحيح الإسناد أو حسن، وهو الأصل في إثبات الحكم، والثاني بطلان المرفوع المعارض بشهادة البيهقي ونقله عنه من نقله من الحفاظ. وأما الأدلة الأخرى من الآثار فمؤيدة. فالدعوى «ذهب الزينة عليه زكاة» ثابتة، وخصومُها إنما بأيديهم وقفٌ صحابي مُعارض للنص ومعارضٌ بأقوال آخرين من الصحابة والتابعين، ولم يثبت عنهم نصٌّ صحيح صريح ينفي الزكاة عن الحلي. والله أعلم.
الأدلة المستشهد بها
قرآن 9:34«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ»
قرآن 9:35«يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ»
حديث 184_1339«أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ ، فَقَالَ لَهَا : " أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا ؟ " قَالَتْ : لَا ، قَالَ : " أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ ؟ "»
حديث 319_2444«أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِنْتٌ لَهَا ، فِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ ، فَقَالَ : " أَتُؤَدِّينَ زَكَاةَ هَذَا ؟ " قَالَتْ : لَا , قَالَ : " أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ ؟ " , قَالَ : فَخَلَعَتْهُمَا فَأَلْقَتْهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : هُمَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ... قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ : خَالِدٌ أَثْبَتُ مِنَ الْمُعْتَمِرِ»
حديث 542_1750«ثنا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ , عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , قَالَ : جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَابْنَتُهَا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي يَدِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ , فَقَالَ : " هَلْ تُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا ؟ " , قَالَتْ : لا , قَالَ : " فَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِسُوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ ؟ "»
حديث 73_913«قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : أَتَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا ، فِي يَدِهَا مَسَكَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ ، فَقَالَ : " هَلْ تُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا ؟ " , قَالَتْ : لا , قَالَ : " أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا بِسُوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ ؟ "»
حديث 195_576«قَالَ أَبُو عِيسَى : وَهَذَا حَدِيثٌ قَدْ رَوَاهُ الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ نَحْوَ هَذَا ، وَالْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ ، وَابْنُ لَهِيعَةَ يُضَعَّفَانِ فِي الْحَدِيثِ ، وَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَاب ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ»
حديث 370_1580«قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ ، وَابْنُ لَهِيعَةَ يَضْعُفُ ، وَلا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ»
حديث 673_12135«مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ ، وَلا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا ، إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ ... رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ»
حديث 1012_220«حَدِيثُ : " زَكَاةُ الْحُلِيِّ عَارِيَّتُهُ " ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنْهُ مَرْفُوعًا : " ليْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ " ، فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لهُ»
حديث 1015_127«176 " لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ " ، قال البيهقي : باطل ، لا أصل له»
حديث 378_401«حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يُحَلِّي بَنَاتَهُ وَجَوَارِيَهُ الذَّهَبَ ، ثُمَّ لَا يُخْرِجُ مِنْهُ الزَّكَاةَ "»
حديث 96_9953«حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْفَرَّاءِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، قَالَ : " فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ حَتَّى فِي الْخَاتَمِ "»
حديث 96_9945«حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، قَالَ : " فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ "»
حديث 73_922«قَالَ : حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعَطَاءٍ ، في زكاة الحلي , قَالا : " إِذَا بَلَغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، أَوْ عِشْرِينَ مِثْقَالا ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ " , حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، كلاهما , عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، مِثْلَ ذَلِكَ»
حديث 73_921«قَالَ : حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، قَالَ : " فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ "»