الطرف الأول، الجولة 1
بسم الله. مدّعاي في هذه المناظرة أن النقاب — تغطية الوجه واليدين — فرض. وأعرض أدلّتي مرتّبة على نقاط، كلُّ نقطة: الدعوى، ثم الدليل بعد التحقق منه بنفسي، ثم وجه الاستدلال. وأُنبّه من أول الأمر: لا أستدلّ بشيء لم أقرأه في أدواتي، وكل اقتباس قرآني أو حديثي أدناه مأخوذ حرفياً من مخرجات الأدوات، وقد تحقّقت من الآيات بمطابقتها موضعها.
١) آية الجلابيب (الأحزاب ٥٩) هي أصل الباب وأصرحُه:
الدعوى: أمر الله نساء المؤمنين بإدناء الجلباب عليهنّ، وهذا الأمر يشمل تغطية الوجه.
الدليل: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [٣٣:٥٩].
وجه الاستدلال: الإدناء إرخاء الثوب على البدن، ثم علّله بقوله ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ﴾، والتعريف إنما يكون بالوجه لا بالبدن المستور أصلاً؛ فلو كان الوجه ظاهراً لم يُحصّل التعليلُ غرضَه، لأنّ أوّل ما يُعرف به الإنسان وجهه. ثم إنّ الطبري نقل عن ابن عباس في تفسير هذه الآية نصًّا صريحاً: «أَمَرَ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا خَرَجْنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ فِي حَاجَةٍ أَنْ يُغَطِّينَ وُجُوهَهُنَّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِنَّ بِالْجَلَابِيبِ، وَيُبْدِينَ عَيْنًا وَاحِدَةً» (جامع البيان، ٣٣٨_٢٦٣٢٠)، ونقل عن الضحّاك: «وَأَمَّا كُلُّ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ حُرَّةٍ، فَعَلَيْهَا إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ أَنْ تُدْنِيَ الْجِلْبَابَ عَلَى الْخِمَارِ» (٣٣٨_٢٣٩٧٥). وهذان أثران في كتاب تفسير لا إسناد لهما ولا حكم في قاعدة البيانات، أذكرهما على أنهما نقلٌ تفسيري عن السلف، لا على أنهما حديثٌ مرفوع.
٢) آية الخُمر (النور ٣١):
الدعوى: الأمر بضرب الخمار على الجيوب يقتضي تغطية ما بين الرأس والصدر، والخمار لغةً ما يُخمَّر الرأس.
الدليل: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، وتطبيق الصحابيات عند البخاري (١٤٦_٤٤١٢) عن عائشة: لمّا نزلت هذه الآية «أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ، فَشَقَّقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بِهَا».
وجه الاستدلال: الفاء للتعقيب الحاصل فور نزول الآية، و«فاختمرن بها» أي غطّين رءوسهنّ وما يتصل بها. (أنبّه بصراحة: قاعدة البيانات لا تخزّن لهذا المدخل إسناداً ولا حكماً، فهو ثابت في صحيح البخاري بصيغة متصلة في متنه، ولا أبني عليه دليلاً مستقلاً، وإنما أذكره مؤيّداً لما قبله.)
٣) حديث الإحرام — أقوى حجّة حديثية على الجانب العملي:
الدعوى: النقاب والقفّازان هما اللباس المقرَّر للمرأة، حتى احتاج الشارع إلى استثنائهما في الإحرام.
الدليل: صحيح البخاري (١٤٦_١٧١٦): «وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ»، وقاعدة البيانات تحكم عليه وعلى سنده «0 صحيح»، وأنا تُبْتُ سنده بنفسي فوجدت الطريق متصلاً كلّه بثقات: عبد الله بن يزيد العدوي (١٥ مذكوراً في الثقات، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن حجر: ثقة فاضل) عن الليث بن سعد (ثقة ثبت فقيه إمام) عن نافع (ثقة ثبت، وقال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر) عن ابن عمر.
وجه الاستدلال: لو لم يكن النقاب والقفّازان لباساً مشروعاً معتاداً للمرأة المسلمة لما احتيج إلى النهي عنهما في الإحرام؛ فالاستثناء دليل على الأصل، فتبقى التغطية هي الأصل، ولا نصّ يرفعها خارج الإحرام. وملاحظة مهمّة: النهي خاص بالمحرمة، فلا يصلح دليلاً على جواز كشف الوجه، بل العكس أقرب.
٤) فعل الصحابيات ووصف اجتماعهنّ وصلاتهنّ:
الدعوى: نساء المؤمنين في عهده ﷺ كنّ يستوعب التلفّع حتى لا يُعرفن.
الدليل: صحيح البخاري (١٤٦_٨٢٣) عن عائشة: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ»، وله شاهد بلفظ: «مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ» (١٤٦_٣٦٢) في البخاري نفسه، ورواه مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة، وكلّهم ثقات، والحديث من cluster (٦٠٣) بلغ اثنتين وخمسين ومائة رواية عن اثني عشر صحابياً.
وجه الاستدلال: التلفّع بالملاءة الشاملة والوصف بأنهنّ لا يُعرفنَ إنّما ينصرف إلى الوجه، لأنّ الوجه هو محلّ المعرفة.
٥) حديث «المرأة عورة» — شاهد معتضد:
الدعوى: الأصل في المرأة كمال التغطية.
الدليل: جامع الترمذي (١٩٥_١٠٨٩): «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ»، وسنده في قاعدة البيانات (١٦١٤٨٣) «1 حسن»، ورواتُه كلّهم ثقات أو صدوقون، وكذلك أورده البزار وابن خزيمة وابن حبان والطبراني، ومجموع الـcluster (٤١٠٥) واحد وعشرون موضعاً عن ثلاثة من الصحابة، وحكم الجملة عند قاعدة البيانات «صحيح». وفي الطريق ضعف يسير لا يخفى قبلته: قتادة بن دعامة مشهور بالتدليس (وموضع التدليس عنده عن مورق)، وعمرو بن عاصم القيسي قال فيه أبو حاتم: «لا يحتج به»؛ إلا أنّه يعتضد بالشواهد وطرق أخرى عن ابن عمر، فأنزلته منزلة الحسن لغيره.
٦) ما يعتمد عليه المخالف — وهو ليس فرضاً على ضعفه:
الدعوى: أقوى ما يُحتجّ به لكشف الوجه حديث أسماء، وهو لا يثبت.
الدليل: سنن أبي داود (١٨٤_٣٥٨٢): «إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ»، وحكم قاعدة البيانات عليه وعلى سنده «3 ضعيف جداً»، وقد تُبْت سنده فوجدته منقطعاً: خالد بن دريك — قال أبو داود بنفسه: «لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ»، وقاعدة البيانات تُظهر «موضع انقطاع» بينه وبينها؛ وفيه سعيد بن بشير وقال أبو مسهر: «ضعيف منكر الحديث»، وأحمد: «ضعف أمره»، وأبو حاتم بن حبان: «رديء الحفظ فاحش الخطأ يروي عن قتادة ما لا يتابع عليه»؛ وفيه الوليد بن مسلم وقتادة، وكلاهما مشهور بالتدليس وقد روى بالعنعنة. فهذا حديث سقط من أصله ولا يصلح أن يُبنى عليه نفي الوجوب.
٧) ما ينبغي أن أُسلّم به بإنصاف:
روى الطبري عن مجاهد في ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [٣٣٨_٢٣٧٥٤]: «الْكُحْلُ وَالْخِضَابُ وَالْخَاتَمُ»، وروى عن إبراهيم النخعي [٣٣٨_٢٣٧٣٩]: «الثِّيَابُ». فهذا اختلافٌ عن السلف في «ما ظهر منها» لا أُنكره في هذه الجولة؛ لكنه لا يهدم القول بالوجوب، لأن آية الجلابيب [٣٣:٥٩] وحديث الإحرام وفعل الصحابيات في الصحيحين بيّنة في تغطية ما يُعرف به؛ فالاستثناء — على قول الموجبين — مبيَّنٌ بغير الوجه واليدين، أو محمولٌ على ما لا يُمكن ستره كظاهر الثوب والكفّين عند الحاجة، لا على إباحة كشف الوجه ابتداءً.
خاتمة النقطة: مجموع القرآن (الأحزاب ٥٩، النور ٣١، والأحزاب ٥٣: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾) مع حديث الإحرام الصحيح وحديث التلفّع الصحيح وفعل الصحابيات، يثبت أن الأصل المقرَّر في حق المرأة المسلمة هو التغطية الشاملة بما فيها الوجه، ولا يقوم في مقابله نصّ صحيح يرفع الوجوب؛ وأما ما يعتمد عليه المخالف من حديثٍ فسقط بالانقطاع والنكارة، ومن تفسيرٍ فمختلفٌ فيه. فثبت ما ادّعيته.
الأدلة المستشهد بها
قرآن 33:59«يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا»
قرآن 24:31«وَقُل لِّلْمُؤْمِنَٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ»
قرآن 33:53«وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَٰعًا فَسْـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ»
حديث 146_1716«حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، "مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْبَرَانِسَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلَا الْوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ"»
حديث 146_823«عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ"»
حديث 146_362«أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْفَجْرَ فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ فِي مُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ"»
حديث 146_4412«عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ، تَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ سورة النور آية 31 أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ، فَشَقَّقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بِهَا»
حديث 195_1089«حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُوَرِّقٍ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ". قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ»
حديث 184_3582«حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ دُرَيْكٍ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ ... "يَا أَسْمَاءُ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ"، قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا مُرْسَلٌ خَالِدُ بْنُ دُرَيْكٍ لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا»