الطرف الثاني، الجولة 3
الحمد لله. هذه جولة الختام، فأنظر في حصيلة ما ثبت من الأدلة وما سقط من وجوه الاستدلال، دون فتح بابٍ جديد:
[1] حصيلة الاتفاق: النصوص التي استُشهد بها في هذا الباب ثابتةٌ بحسب تتبّعي: 158_2956، و158_2955، و146_2164، و184_2464، و173_3204، و184_2465، و19_1332، و158_2942، و146_3095، و158_425، و109_81. وقد وافقتُ الطرف الآخر في ثبوتها، وأوافق الواجهة في أحكامها، إلا موضعًا واحدًا بيّنتُه في [7].
[2] وأما محلّ الخلاف — وهو في الدلالة، كما قال الطرف الآخر — فمحصورٌ في أنّ هذه النصوص هل تُنتج «غير مباح»؟ والجواب: نعم، لثلاثة وجوه:
(أ) أنّها نصوصٌ في «اتخاذ» الكلب نفسه لا في أبوابٍ أُخر: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا» (158_2956، 184_2464)، و«مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا» (158_2955)، و«مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا» (146_2164)، وأصرحها 173_3204: «وَمَا مِنْ قَوْمٍ اتَّخَذُوا كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ، إِلَّا نَقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ». والقافس في قوله: «لا لفظَ تحريمٍ» يشترط لفظًا خاصًّا لا يلزم في المناظرة؛ فالحكم يُستفاد من مجموع الأدلة لا من لفظةٍ واحدة، ونقيض «مباح» هو «غير مباح» لا «حرام» فقط بحسب التقسيم العرفي الذي أشار إليه الطرف الآخر نفسه.
(ب) أنّ الاستثناء الوارد في الحديث (كلب ماشيةٍ أو صيدٍ أو زرع) يفيد أنّ ما سواه موردُ الذمّ لا الإباحة، ولا يُقال إنّ ما لا جزاء عليه مباحٌ مطلقًا؛ فإنّ الاستثناء يُخرج المستثنى من نقصان الأجر فقط، والجزاء المرتّب على غيره دليلُ الكراهة على الأقلّ.
(ج) أنّ النصوص الأخرى تُعضّد هذا: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» (146_3095) متعلّقٌ بمكان التربية لا بباب آخر؛ و«طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» (158_425) نصٌّ في الغلظة في أمر الكلب؛ و«نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ» (19_1332) نصٌّ في المنع؛ و«أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ» (158_2942) نصٌّ في شدّة الأمر بشأنه. فمجموعُها لا يترك الكلب على الإباحة المطلقة.
[3] وأما الآيتان: فـ5:4 في إباحة الانتفاع بالجوارح في الصيد وأكل ما أمسكته، وهي نوعٌ من أنواع المستثنيات، فلا تنقلب على خصمه كما زعم؛ و18:18 خبرٌ عن حال أهل الكهف وكلبهم، وتمامها: «لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا»، فلا ثناء فيها على الكلب ولا تقريرٌ لحكمٍ شرعيّ، والسكوت عن الذكر لا يُثبت حكمًا.
[4] وأما التحدّي الذي وجّهه الطرف الآخر إلى 146_2164 فقد تتبّعته في هذه الجولة وأقفُ معه في جزئه: سندُ المتن هو معاذ بن فضالة عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وابن أبي كثير عنعن وهو mudallis عند الواجهة، وقال أبو حاتم فيه: «إمام لا يحدث إلا عن ثقة»، وقال ابن حجر: «ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل، وقد احتمل الأئمة تدليسه لإمامته»، وقال في هدي الساري: «أحد الأئمة الأثبات الثقات المكثرين... واحتج به الأئمة». ووجدتُ في قاعدة البيانات لهذا السجل طريقًا مخزونًا (73085) بحكم «0 صحيح»، وثلاث طرائق معلّقة (73082 و73083 و73084) بحكم «2 ضعيف»، وهذا ما ذكره الطرف الآخر. غير أنّ هذا كلّه لا يُسقط الحجّة، فإنّ متنه ثابتٌ من مسلم 158_2955 و158_2956 ومن أبي داود 184_2464، ودلالتي في المسألة قائمةٌ على هذه لا على طريقٍ بعينه؛ فأُسلِم له هذا الجزء ولا أُبني عليه، وهو تسليمٌ لا ينقض النتيجة.
[5] وأما ما رجع إليه الطرف الآخر من «الأصل في الأشياء الإباحة»، فهو أصلٌ لا يُنكر في الجملة، لكنّه منقوضٌ في هذا الباب بالنصوص الآنفة الذكر كما أسلفت. وقد رجع هو إلى الاصطلاح واللغة، وأنا رجعتُ إلى النصوص؛ واللغة والمصطلح لا يُنقضان النصَّ.
[6] وأثبتُّ في الجولة السابقة أنّ الطرف الآخر خلط في استشهاده بالحديث 146_2298 فجعل في متنه «وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ» وهو نصُّ آية الكهف 18:18 لا نصُّ الخبر، فهذا مما اسقطته بالتحقيق. كما أنّه في دوره الأول نقل الشطر الأول من 173_3204 وحده، وهو شطرٌ للتعليل، وترك الشطر الذي يصرّح بالجزاء على الاتخاذ، ثم نُقِل بتمامه بعد ذلك. وأما استشهاده بقول مالك في 19_1332 فحاصلُه الكراهة، والكراهة نقيض «الإباحة». وأما استشهادُه المعجمي فلفظُه صحيحٌ في المدخلين «كلب» و«كره»، لكنّ المعجم لا يقضي في التحريم ولا في التنزيه، بل يُثبت أنّ الكراهة إباءٌ ومنعٌ، وحسبي أنّه لا يفيده.
[7] وأرفع إلى المحكّمين اعتراضًا على حكم الواجهة في السجل 146_3232، فقد وافق الطرف الآخر على الاستشهاد به شاهدًا للبخاري، وحكمُ الواجهة له «1 حسن»، مع أنّ حكم عنقود حديثه («cluster» 4906) «0 صحيح»، وإسناده (سعيد بن تليد عن ابن وهب عن جرير بن حازم عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة) من أصحّ الأسانيد، فالتصنيف «حسن» لسجلٍ في صحيح البخاري من طريقٍ متّفقٍ عليه في نظر.
[8] الخلاصة: لم يُثبت الطرف الآخر مسألةً واحدةً تنقض أنّ الاتخاذ لغير حاجة مذمومٌ منهيٌّ عنه؛ لا من الآيتين، ولا من نصوصه التي ساقها في أبوابٍ أخرى، ولا من الأصل الذي رجع إليه. فيبقى حكم اتخاذ الكلاب لغير ماشيةٍ أو صيدٍ أو زرع: غير مباح.
الأدلة المستشهد بها
قرآن 5:4«يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ»
قرآن 18:18«وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتِ الشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ۚ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا»
حديث 158_2956«مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا ، إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ ، أَوْ صَيْدٍ ، أَوْ زَرْعٍ ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ»
حديث 158_2955«مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ ، وَلَا مَاشِيَةٍ ، وَلَا أَرْضٍ ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطَانِ كُلَّ يَوْمٍ»
حديث 146_2164«مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ ، إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ»
حديث 173_3204«لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ ، لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا ، فَاقْتُلُوا مِنْهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ ، وَمَا مِنْ قَوْمٍ اتَّخَذُوا كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ ، إِلَّا نَقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ»
حديث 146_3095«لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ»
حديث 158_425«طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ ، إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ ، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ»
حديث 19_1332«نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ . قَالَ مَالِك : أَكْرَهُ ثَمَنَ الْكَلْبِ الضَّارِي وَغَيْرِ الضَّارِي لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ»
حديث 158_2942«أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ "»
حديث 109_81«قَالَ أَبِي : قَالَ شُعْبَةُ : كُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْعَلَاءِ , يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ مُغَفَّلٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا , لِأَنَّ الْحَسَنَ سَمِعَ مِنْ ابْنِ مُغَفَّلٍ»
معجم لسان العرب: كره«ابن سيده : الكَرْهُ الإباءُ والمَشَقَّةُ تُكَلِّفُها فتَحْتَمِلُها ... والكَرْهُ المكروهُ»
معجم لسان العرب: كلب«والـمُكَلِّبُ: الذي يُعَلِّم الكِلابَ أَخْذ الصيدِ. وفي التنزيل العزيز: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ سورة المائدة آية 4»
تدقيق الطرف لكلام خصمه (عمل خاص)
خلاصة تدقيق خطاب الطرف الآخر: (١) ما سلّمه من ثبوت النصوص صحيحٌ في الجملة، وتحقّقتُ في هذه الجولة من متون 158_2955 و146_2164 بأسانيدهما وقرأتُ أقوال النقاد في رجالهما، ومن قبلُ في بقيّة السجلات. وخالفني في موضعٍ واحد: حكم 146_3232 عند الواجهة «1 حسن» مع أنّ حكم عنقوده «صحيح»، فالخلاف في تصنيف سجلٍ من مواضع الحديث نفسه لا في ثبوته. (٢) واعتراضه على 146_2164 اعتراضٌ وجيهٌ في جزئه: سندُ المتن فيه عنعنة يحيى بن أبي كثير وهو مدلّس عند الواجهة، وقال ابن حجر: «ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل، وقد احتمل الأئمة تدليسه لإمامته»، وفي هدي الساري: «... واحتج به الأئمة»؛ وأما الطرق 73082 و73083 و73084 ففي كلٍّ منها «موضع تعليق» وحكمها «2 ضعيف» كما ذكر. لكنّ المتن ثابتٌ من 158_2955 و158_2956 و184_2464، ودلالتي في المسألة لا تتوقّف على هذا الطريق، فلا أركّب عليه حجّتي؛ وهذا هو القدر الذي أُسلمه للطرف الآخر، دون أن يُغيّر من دلالة النصوص على الذمّ. (٣) ومن مواضع الخلل في كلامه: (أ) دعواه «لا لفظَ تحريمٍ» و«لا يجوز اتّخاذ الكلب» شرطٌ لا يلزم؛ فإنّ النصوص في «اتخاذ» الكلب نفسه: 158_2955 (اقْتَنَى) و158_2956 (اتَّخَذَ) و146_2164 (أَمْسَكَ) و173_3204 (اتَّخَذُوا) و146_3095 (بيتًا فيه كلب) و158_425 (ولوغه) و19_1332 (ثمنه) و158_2942 (الأمر بقتله)؛ ومجموعُها يُثبت أنّ التربية لغير الحاجة لا تُباح. (ب) خلطُه في الاقتباس: أدخل في متن 146_2298 جملةَ «وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ» من آية الكهف 18:18، وهي ليست في الخبر. (ج) حذفُ الشطر الثاني من 173_3204 في دوره الأول، وما ذكره في أخبار مالكٍ في 19_1332 يتلخّص في أنّه كراهة، والكراهة نقيض الإباحة. (٤) وأما الاستشهادان المعجميان فقد وجدتُ كلامه في المدخلين لفظًا صحيحًا (وإن كان جمعُهما بعلامة الحذف في «المكلّب» قد أوهم تجاورًا ليس بالتجاور)، لكنّ المعجم عنده وعندي لا يقضي في تحريمٍ ولا تنزيه، بل يُبيّن أنّ مادة الكراهة إباءٌ ومنعٌ، لا إباحة.
(حديث، صحيح) «لا خلاف بيننا في ثبوت النصوص»؛ وقد عدّ الآيتين 5:4 و18:18 والأحاديث: 158_2956، 184_2464، 158_2955، 146_2164، 173_3204، 184_2465، 19_1332، 158_2942، 146_3095، 158_425، 146_2298، 158_4171، 146_3232، وأنّ «أحكام الواجهة كما ذكرها في الجملة»: تحقّقتُ من وجود هذه السجلات ومتونها بـhadith_get في هذه الجولة وفي الجولات السابقة، ووجدتُ الأحكام كما ذكر إلّا موضعًا واحدًا: 146_3232 حكم الواجهة له «1 حسن» لا «0 صحيح»، وإن كان حكم عنقود حديثه «0 صحيح»؛ وليست هذه من الأحاديث التي عدّها المتحدث في التسليم.
(قرآن، صحيح) آية 5:4 مطابقة لموضعها بنصّها: quran_verify_quote للآية: «match_at_claimed_ref» في 5:4، والآية نفسها بعينها التي جلبها quran_get سابقًا.
(قرآن، في غير موضعه) آية 18:18 مطابقة لموضعها بنصّها، ودلالتها أنّ ذكر كلبٍ في مسكنٍ لم يُنكر عليهم: الاقتباس مطابق («match_at_claimed_ref» في 18:18)، وأما الدلالة فلا: الآية خبرٌ عن حال أهل الكهف وكلبهم في سياق آياتٍ من أعلام النبوة، وتمامها: «لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا»؛ والسكوت عن الذكر لا يُثبت حكمًا، ولا يلزم من عدم الإنكار في قصص الأمم السابقة إباحةُ التربية في شرعنا.
(استدلال، في غير موضعه) «لا لفظَ تحريمٍ في شيءٍ من نصوصه»، وألفاظها كلّها نقصانُ أجرٍ وأحكامٌ متعلّقة، وليس فيها «لا يجوز أن تتّخذ كلبًا»: أوّلًا: هذه الدعوى تُغالط المقصود، فإنّ «غير مباح» في المناظرة نقيض «مباح»، وهو يشمل الكراهة التحريمية والتنزيهية؛ والطرف الآخر يحوّل النزاع إلى اشتراط لفظ «حرام» ليحمي مذهب «الإباحة». وثانيًا: النصوص نفسها: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا» (158_2956)، و«مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا» (158_2955)، و«مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا» (146_2164)، و«وَمَا مِنْ قَوْمٍ اتَّخَذُوا كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ... إِلَّا نَقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» (173_3204)، و«لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ» (146_3095)، و«نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ» (19_1332)، و«أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ» (158_2942)، و«طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ...» (158_425). فهذا قدرٌ من النصوص في باب الكلب، ولا يُقال معه إنّ «الأصل» باقٍ على الإباحة كما يدّعيه.
(حديث، صحيح) لفظ 158_2955: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ، وَلَا مَاشِيَةٍ، وَلَا أَرْضٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطَانِ كُلَّ يَوْمٍ»: hadith_get لـ158_2955 (صحيح مسلم): النصّ مطابق إلّا أنّ المتحدث كتب «قِرَاطَانِ» بإسقاط الياء، والصواب «قِيرَاطَانِ» كما في المخزون. وحكم الواجهة «0 صحيح».
(حديث، صحيح) لفظ 146_2164: «مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ، إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ»: hadith_get لـ146_2164 (صحيح البخاري): النصّ مطابق للمقتبس، وحكم الواجهة «0 صحيح».
(استدلال، في غير موضعه) «الاستثناء في حديث الاتخاذ حجّةٌ لي»؛ فهو واردٌ في جملة الجزاء لا في جملة التحريم، والمستثنى لا جزاء عليه، وما سواه عليه نقصانُ أجر: الاستثناء في جملة الجزاء هو محلّ التسليم؛ لكنه لا يُنتج الإباحة، لأنّ ترتيب الجزاء على الفعل دليلُ الذمّ، والذمّ ينافي «المباح». ولو كان الفعل مباحًا مطلقًا لم يكن لنقصان الأجر سببٌ؛ فدلالة النقصان على «لا يُباح» أقربُ من دلالته على الإباحة. وقد صرّح 173_3204 بالاتخاذ نفسه: «وَمَا مِنْ قَوْمٍ اتَّخَذُوا كَلْبًا... إِلَّا نَقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ»، وهو نصٌّ في الاتخاذ لا في غيره.
(معجم، صحيح) الاستشهاد المعجمي lisan:كره: ما نقله عن ابن سيده والزجاج في مادة الكراهة: جلبتُ مدخل «كره» في لسان العرب فوجدتُ الألفاظ التي نقلها: «ابن سيده: الكَرْهُ الإباءُ والمَشَقَّةُ تُكَلِّفُها فتَحْتَمِلُها والكُرْهُ، بالضم، المشقةُ تحْتَمِلُها من غير أَن تُكَلِّفها... وقد كَرِهَه كَرْهًا وكُرْهًا وكَراهَةً وكراهِيةً»، و«والكَرْهُ المكروهُ». فأقتباسه صحيح لفظًا، إلّا أنّه قصَر دلالة المادة على «ضدّ المحبوب»، والمادة أصلها الإباءُ والمنعُ والامتناع، وهو نقيض الرضا والإباحة، فلا يُتّخذ من المعجم حجةً لترجيح «مباح» على «غير مباح».
(معجم، صحيح) «اللغة لا تفرّق بين الكراهة التحريمية والتنزيهية، فالمعجم لا يقضي في موضع النزاع»: هذا صحيح في الجملة، وأنا لا أستند إلى المعجم لإثبات الحرمة، بل لبيان أنّ مادة الكراهة في اللسان إباءٌ ومنعٌ لا إباحةٌ؛ والأحكام تُؤخذ من النصوص لا من المعاجم كما هو مقرّر في المناظرة.
(استدلال، في غير موضعه) «لا زال الاستدلال في باب النصوص، لا في باب الثبوت»، وأنّ النهي عن ثمن الكلب حكمٌ في البيع، وتغليظ غسل الإناء حكمٌ في الطهارة، ومنعُ دخول الملائكة متعلّقٌ بحضورهنّ لا بنفس التربية: هذا صرفٌ للنصوص عن موردها؛ فإنّ الحديث في «اتخاذ» الكلب كما تقدّم، ولفظ 146_3095: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» متعلّقٌ بالبيت ومكان وجود الكلب لا بحضور الملائكة وحده؛ والنهي عن ثمن الكلب يُفيد أنّ الكلب لا قيمةَ مُعتبرةَ له في الشرع، والغسل من ولوغه يُفيد الغلظة في الأحكام المتعلقة به؛ ومجموعُها لا يُبقي الكلب على الإباحة المطلقة.
(أخرى، صحيح) «قوله إنّني تركت الشطر الثاني من ابن ماجه غير صحيح؛ فقد نقلتُه بتمامه»: نعم، الطرف الآخر نقل في دوره الأول لفظ 173_3204 بتمامه بما فيه «وَمَا مِنْ قَوْمٍ اتَّخَذُوا كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ، إِلَّا نَقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ»، وهذا يُشكر له؛ لكنّه بنى استدلاله في ذلك الدور على شطره الأول وحده («أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ») فأوهم أنّ الحديث لا نصّ فيه على الاتخاذ، وقد بيّنتُ أنّ الشطر الثاني نصٌّ فيه.
(قرآن، في غير موضعه) آية 5:4 «وفي ذلك إباحةُ اتخاذها وتعليمها»: الآية في إباحة الانتفاع بالجوارح في الصيد وأكل ما أمسكته، وهو أحد المستثنيات في حديث الاتخاذ؛ فدلالتها على إباحة تعليم الكلاب للصيد لا تنقلب على خصمه، ولا تُثبت إباحة تربية الكلب لغير حاجة.
(حديث، صحيح) التحدّي على 146_2164: «إسناده المخصوص مداره على عنعنة يحيى بن أبي كثير، وهو عند الواجهة ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل؛ والطرق الثلاث الأخرى (73082، 73083، 73084) موضعُ تعليقٍ وحكمها ضعيف، فلا تصلح شواهدَ معتبرة»: تتبّعتُ السجل: فسند المتن هو معاذ بن فضالة عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ووجدتُ في قاعدة البيانات سندًا له هو sanad_id 73085 بحكم «0 صحيح»، وفيه ابن أبي كثير بالعنعنة وهو mudallis عند الواجهة، وأقوال النقاد فيه: قال أبو حاتم: «إمام لا يحدث إلا عن ثقة»، وابن حجر: «ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل، وقد احتمل الأئمة تدليسه لإمامته»، وفي هدي الساري: «أحد الأئمة الأثبات الثقات المكثرين كثير الإرسال والتدليس، ... واحتج به الأئمة». وأما الطرق 73082 و73083 و73084 ففي كلٍّ منها «موضع تعليق» وحكمها «2 ضعيف» كما ذكر. فهذه قرينةٌ صحيحة في الجملة، لكنها لا تُسقط الحديث؛ لأنّ المتن ثابتٌ من 158_2955 و158_2956 و184_2464، ودلالتي في النزاع قائمةٌ على هذه لا على طريق 146_2164 بعينه. فعلى هذا: لا تُبنى دعوى الإباحة على هذه العلّة.
(حديث، صحيح) إنّ «أحمد بن عمرو القرشي (أبو الطاهر)» و«حرملة بن يحيى التجيبي» و«يونس بن يزيد الأيلي» و«سعيد بن المسيب» في سند 158_2955 على ما وصفه: hadith_narrator: أبو الطاهر rotba 3 «ثقة» وmuslim=1؛ وحرملة بن يحيى rotba 4 «صدوق حسن الحديث» قال أبو حاتم فيه «يكتب حديثه ولا يحتج به» وابن عدي: «لم أجد في حديثه ما يجب أن يضعف من أجله»، والعقيلي: «كان أعلم الناس بابن وهب، وهو ثقة إن شاء الله»، وابن حجر: «صدوق»؛ ويونس بن يزيد rotba 3 «ثقة»؛ وسعيد بن المسيب «أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار» قال أبو حاتم «أثبتهم في أبي هريرة»؛ والطريق المخزون لحرملة فيه 90979 بحكم «1 حسن»، والطريق الآخر 90980 بحكم «0 صحيح»، فقول الطرف الآخر «حكم الواجهة كما ذكرها» صحيح في هذا السجل تفصيلًا.
(حديث، منقول محرَّفاً) الاستشهاد بالحديث 146_2298 بالنصّ: «بَيْنَا رَجُلٌ ... وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ... فَسَقَى الْكَلْبَ ... فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»: hadith_get لـ146_2298 (البخاري): المتن لا يتضمّن «وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ» — وهذه من آية الكهف 18:18، وليست من الخبر؛ فلا يجوز خلطُ كلام القرآن بكلام النبوّة في سندٍ واحد. أمّا المتن الصحيح: «بَيْنَا رَجُلٌ بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ ... فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ ... فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ».
(معجم، صحيح) الاستشهاد المعجمي lisan:كلب: «والمُكَلِّبُ: الذي يُعَلِّم الكِلابَ أَخْذ الصيدِ ... وفي التنزيل العزيز: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ»: جلبتُ مدخل «كلب» في لسان العرب فوجدتُ «والـمُكَلِّبُ: الذي يُعَلِّم الكِلابَ أَخْذ الصيدِ»، وفيه «وفي التنزيل العزيز: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ سورة المائدة آية 4»؛ والمعنيان ثابتان في المدخل، إلا أنّ الكاتب جمعهما بعلامة حذف وبينهما في المدخل: «وفي حديث الصيد: إِنَّ لي كِلابًا مُكَلَّبةً فأَفْتِني في صَيدها»، فأظهرت صنعةُ الحذف كأنما هما متجاوران.
(حديث، صحيح) «فالمطالبة أن يُبيّن وجه تصحيح هذا الإسناد بعينه بعد هذه العلّة؛ مع تسليمي أنّ المتن ثابتٌ من طرق مسلم»: مسلَّمٌ ومقبول في الجملة، وقد رجعتُ إلى السجل فوجدت سندًا للبخاري فيه (73085) بحكم «0 صحيح»، مع أنّ ابن أبي كثير عنعن، ونقّادُه يحتملون تدليسه لإمامته كما ذكرتُ. ومع ذلك فإني لا أحتاج إلى هذا الطريق بعينه في الاستدلال؛ فالحديث ثابتٌ من 158_2955 و158_2956 و184_2464 وغيرها، وهو يذكر «الاتخاذ» نفسه.
(استدلال، في غير موضعه) «لم يأتِ الطرف الآخر بلفظٍ من كتاب الله ولا من سنّة النبيّ ﷺ يقول: لا يجوز اتّخاذ الكلب أو هو حرام ... وبقي الحكم على الأصل: الإباحة»: هذه مغالطةُ المطالِبة بلفظٍ خاصّ؛ فقد أثبتُّ أنّ النصوص الصحيحة في الباب (158_2955، 158_2956، 146_2164، 173_3204، 19_1332، 158_2942، 146_3095، 158_425) تتعلّق بالكلب واتخاذه وترتيب الجزاء عليه، وهذا كافٍ في إثبات «لا يُباح»، وليس بلازمٍ أن تأتي بلفظ «حرام»؛ والأحكام في الشريعة تُؤخذ من مجموع الأدلة لا من لفظةٍ واحدة.
(قول عالم، في غير موضعه) «ونصُّ مالك في 19_1332: أَكْرَهُ ثَمَنَ الْكَلْبِ الضَّارِي وَغَيْرِ الضَّارِي يؤيّد أن حكم الباب كراهة، لا تحريماً»: إمامةُ مالكٍ مُسلَّمة، ونصُّه المنقول صحيح لفظًا في السجل: «أَكْرَهُ ثَمَنَ الْكَلْبِ الضَّارِي وَغَيْرِ الضَّارِي لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ»، لكنّه ليس دليلًا على الإباحة؛ بل هو نصٌّ في أنّ الإمام فهم النهيَ النبويَّ على جهة الكراهة، والكراهة عند أهل العلم نقيض الإباحة، فهي في ناحية الطرف الآخر لا في ناحيته. وأما توزيع الأحكام على الأبواب (بيع، طهارة، حضور الملائكة) فلا يمنع أن يُفهم مجموع ذلك في باب الكلاب على المنع من التربية لغير حاجة.
تنبيه: الحديث 146_2164: لم يتناول التحليل رواة المذكورين في متن الحديث (7016، 2840، 3483) فلا يصح الحكم على اتصاله كاملًا.سلسلة السند غير مكتملة تنبيه: الحديث 19_1332: حُكم على الراوي «أبو بكر بن عبد الرحمن المخزومي» (118) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص تنبيه: الحديث 19_1332: حُكم على الراوي «أبو مسعود الأنصاري» (5680) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص تنبيه: الحديث 158_2942: حُكم على الراوي «عبد الله بن عمر العدوي» (4967) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص تنبيه: الحديث 146_3095: حُكم على الراوي «عبد الله بن العباس القرشي» (4883) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص تنبيه: الحديث 146_3095: حُكم على الراوي «أبو طلحة الأنصاري» (3142) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص تنبيه: الحديث 146_3232: التحليل مُعلَن «محقَّق» لكن المتحدث لم يجلب السند (hadith_sanad).السند لم يُحقَّق تنبيه: الحديث 146_3232: حُكم على الراوي «سعيد بن تليد» (3386) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص