الطرف الأول، الجولة 2
بسم الله، وبعد.
أبدأ بالإقرار بما ثبت، ثم أُبيّن أن ما ثبت يقتضي الحرمة، لا الكراهة.
١) ما أوافق عليه: الأمر بالإعفاء والتوفير ثابت ثبوتاً لا مرية فيه، بالطرق الثلاث المتصلة التي تتبّعتها بنفسي: البخاري (146_5469): «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ»، ومسلم (158_387): «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى»، والنسائي (319_4986): «أَعْفُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ». وقد تتبّعت رجالها واحداً واحداً في مجالس النقاد: فمحمد بن المنهال (6865) ثقة حافظ، ويزيد بن زريع (8418) ثقة ثبت، وعمر بن محمد العمري (6005) ثقة، ونافع (7863) ثقة ثبت مشهور، وسهل بن عثمان (3675) صدوق حسن الحديث أخرج له مسلم، وعمرو بن علي الفلاس (6171) ثقة حافظ، وعبد الرحمن بن مهدي (4493) ثقة ثبت حافظ، وسفيان الثوري (3436) ثقة حافظ إمام صرّح بالتحديث فنُفي عنه التدليس، وعبد الرحمن بن أبي علقمة (4451) ثقة. فهذه الدعوى أقبلها وأُثبتها، وليس بيننا فيها نزاع.
٢) وأوافق أيضاً على تضعيف حديث «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (184_3514): مداره على عبد الرحمن بن ثابت العنسي (4327)، وقد وقفت في مجالس النقاد على أن العقيلي قال «ضعيف»، وأحمد قال «أحاديثه مناكير» و«لم يكن بالقوي في الحديث»، والنسائي قال «ضعيف» ومرة «ليس بثقة»، وابن حجر قال «صدوق زاهد يخطئ ورمي بالقدر وتغير بأخرة»، وعليه علم اختلاط في القاعدة (e5telat=1). فلا حجة لي فيه، ولا له؛ وأسقطه من أدلتي.
٣) وأوافقه كذلك على تضعيف الطريق المسند في حديث «عشر من الفطرة» (184_49): فقد جلست إلى سنده فوجدته طريق عائشة: يحيى بن معين عن وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن ابن الزبير عن عائشة، ومداره على مصعب بن شيبة (7518)، وقال فيه أبو داود «ضعيف»، والنسائي «منكر الحديث» و«في حديثه شيء»، والدارقطني «ليس بالقوي ولا بالحافظ» و«ضعيف»، وأحمد «روى أحاديث مناكير»، وأبو حاتم «لا يحمدونه وليس بقوي»، وابن حجر «لين الحديث»، والذهبي «فيه ضعف». فلا أُعلّق شيئاً من حجتي على هذا الطريق؛ وهذا هو عين ما أقرّه.
٤) لكن موضع النزاع لم يُمسّ، وهو: هل الأمر بالإعفاء للوجوب فيكون الحلق حراماً، أم للندب فيكون مكروهاً؟ وهنا أُبيّن وجه فساد قول الخصم من أوجه:
أ) حجته القائمة على «الاحتمال» لا تنهض: الاستدلال بأن «الأمر المجرّد يحتمل الوجوب والندب» تسليمٌ بأن ظاهر الأمر الوجوب، والاحتمالُ لا يُخرج الأمر عن ظاهره؛ بل الصارف هو الذي يجب إثباته، ولم يأت الخصم بقرينة صارفة، وإنما قال: «وفي آداب الزينة والهيئات حمله جمهور المحققين على الندب». وهذه نسبة إلى جمهور لم يسمِّ منهم أحداً ولا كتاباً، وليست مما يمكنني التحقق منه، فلا أبني قولاً على دعوى عارية عن التسمية.
ب) ومعنى «الإعفاء» في نفس اللغة هو ترك الشعر على حاله وعدم قصه، لا مجرد إكثاره؛ فقد قال ابن الأثير في النهاية: «وفيه: أنه أمَرَ بإعْفاء اللِّحَى. هو أن يُوفِّر شَعَرُها ولا يُقَصّ كالشَّوارب، من عَفا الشيءُ إذا كَثُر وزاد»، وقال ابن منظور في لسان العرب: «وفي الحديث: أَنه صلى الله عليه وسلم، أَمَرَ بإعْفاء اللِّحَى؛ هو أَن يُوفَّر شَعَرُها ويُكَثَّر ولا يُقَصَر كالشَّوَارِبِ، من عَفا الشيءُ إذا كَثُرَ وزاد». فهما صريحان في أن المأمور به عدم القصّ وتوفير الشعر؛ والحلق أشدّ في إزالة الشعر من القصّ، فإذا كان القصّ مناقضاً للإعفاء المأمور به، فالحلق أشدّ مناقضة. وهذا معنى قولي إن النهي مستفاد من الأمر، لا من نهي مستقل.
ج) ودعواه أن «المقصود من الإعفاء مخالفة المشركين، وهي تحصل بإكثار اللحية لا ببلوغ الغاية» باطلة بردّها إلى لفظ الحديث: فقد جاء في حديث مسلم (158_388): «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ»، وجاء في صحيح ابن حبان (454_1243) بلفظ: «إِنَّ فِطْرَةَ الإِسْلَامِ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالاسْتِنَانُ، وَأَخْذُ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحَى، فَإِنَّ الْمَجُوسَ تُعْفِي شَوَارِبِهَا، وَتُحْفِي لِحَاهَا، فَخَالِفُوهُمْ، حُدُّوا شَوَارِبَكُمْ، وَاعْفُوا لِحَاكُمْ». وهذا نصّ في أن المخالفة المطلوبة إنما تتحقق بحدّ الشوارب وإعفاء اللحى، لا بأي نسبة من الإكثار. فقول الخصم تفسيرٌ بخلاف ظاهر النص.
د) وأما استدلاله بحديث 146_5469 على أن الصحيحين لم يذكرا اللحية في «الفطرة» فقد حقّقته فوجدت الروايتين ثابتتين: البخاري (146_5466): «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ الْخِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ»، ومسلم (158_382) بمثله، ولا أُعلّق على حكم القاعدة فيهما لأني تتبّعت سندهما: فعلي بن المديني (5792) ثقة ثبت إمام، وسفيان بن عيينة (3443) ثقة حافظ حجة، والزهري (7272) متفق على جلالته، وسعيد بن المسيب (3299) أحد الأثبات الكبار، فصحيحان. لكن الصحيح أن خلوّ روايةٍ من ذكر اللحية لا يعني نفي ذكرها في الفطرة عن أبي هريرة رأساً؛ فقد وقفت على طريقين مسندين آخرين عن أبي هريرة بذكرها: صحيح ابن حبان (454_1243) بسند الحسن بن سفيان (14872) عن حميد بن زنجويه (2549) عن ابن أبي أويس (1040) عن أخيه عبد الحميد (4244) عن سليمان بن بلال (3574) عن محمد بن أبي مريم (7093) عن أبي سلمة (4903) عن أبي هريرة، وفيه «وَإِعْفَاءُ اللِّحَى»؛ ومسند أحمد (121_8586) بسند منصور بن سلمة الخزاعي (7679) عن سليمان بن بلال عن العلاء بن عبد الرحمن (1526) عن أبيه (4521) عن أبي هريرة، بلفظ: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَاعْفُوا اللِّحَى، وَخَالِفُوا الْمَجُوسَ». فذكرُ اللحية في الفطرة ثابت عن أبي هريرة بطريقين آخرين، وقول الخصم إن من ذكرها «إنما جاء من طرق دون الصحيح» لا يبلغ به نفي الحديث، وإنما يقتصر على أن أصل الفطرة الخمس ثبت في الصحيحين بغيرها من الخصال، وهو غيرُ نازع.
٥) وأما الأثر الذي أورده على أنه يهدم دعوى الحرمة، فلا يهدم شيئاً: فقوله إن ابن عمر «كان إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذَه» ثابت في متن البخاري (146_5469)، لكنه فعله هو، أي أثر موقوف على صحابي، لا قول منقول عن النبي ﷺ؛ وهو لا يصلح أن يُبنى عليه حكم، كما قرّره الخصم نفسه. وأزيد: أن محل الفعل هو الأخذ من الزائد على القبضة في نُسك الحج أو العمرة، وهو لا يوافق الحلق الذي هو إزالة اللحية كلها، فاستدلاله به على الكراهة لا على الحرمة غير مستقيم.
٦) والآيات التي أوردتها ثابتة نصاً وموضعاً — قال تعالى: «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ» (الحشر ٧)، «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبُهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» (النور ٦٣)، «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ» (الأحزاب ٣٦) — وهي كما قال الخصم عامة في وجوب الاتباع والتحذير من مخالفة أمره ﷺ. وقد سلّم بذلك، وظاهرها هو الذي يعضد قولي: أن الذي يترك الأمر الثابت أو يرتكب نقيضه معرَّضٌ للوعيد، فمَن حلق فقد ارتكب ضدّ المأمور به بلا صارف.
٧) وبيان موافقة الأمر للوجوب: أن الشرع جعل إعفاء اللحى في سياق الفرائض من الفطرة، ومن علامات الفطرة الإسلامية التي أمر بمخالفة المجوس والمشركين فيها، لا في سياق المباحات والمستحبات الخالصة؛ والقرينة الصارفة إلى الندب مفقودة، وقد قررتُ أن الأمر في أمثال هذه الشعائر يُحمل على الوجوب.
الخلاصة: الأمر بالإعفاء ثابت، ومعناه ترك اللحية وتوفيرها، ومخالفته بحلقها مخالفةٌ للمأمور به ولمقصد، مخالفةِ أمم الكفر الذين نُهينا عن التشبّه بهم؛ والأمر يقتضي الوجوب بغير قرينة صارفة، فالكراهة قول مرجوح، والأظهر حرمة الحلق.
الأدلة المستشهد بها
قرآن 33:36«وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا»
قرآن 24:63«لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»
قرآن 59:7«مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ»
حديث 146_5469«حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ "، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ»
حديث 158_387«حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ عُمَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى "»
حديث 319_4986«أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَلْقَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَعْفُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ "»
حديث 454_1243«أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفِيانَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي سَلَمْةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " إِنَّ فِطْرَةَ الإِسْلَامِ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالاسْتِنَانُ، وَأَخْذُ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحَى، فَإِنَّ الْمَجُوسَ تُعْفِي شَوَارِبِهَا، وَتُحْفِي لِحَاهَا، فَخَالِفُوهُمْ، حُدُّوا شَوَارِبَكُمْ، وَاعْفُوا لِحَاكُمْ "»
حديث 121_8586«حَدَّثَنَا الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَاعْفُوا اللِّحَى، وَخَالِفُوا الْمَجُوسَ "»
حديث 158_388«حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ مَوْلَى الْحُرَقَةِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ "»
حديث 146_5466«حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ:، حَدَّثَنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رِوَايَةً " الْفِطْرَةُ خَمْسٌ أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ الْخِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ "»
حديث 158_382«حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جميعا، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " الْفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ، الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ "»
حديث 184_3514«حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي مُنِيبٍ الْجُرَشِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ "»
حديث 184_49«حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ بِالْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ "»
معجم النهاية في غريب الحديث والأثر: عفا«وفيه: أنه أمَرَ بإعْفاء اللِّحَى. هو أن يُوفِّر شَعَرُها ولا يُقَصّ كالشَّوارب، من عَفا الشيءُ إذا كَثُر وزاد»
معجم لسان العرب: عفا«وفي الحديث: أَنه صلى الله عليه وسلم، أَمَرَ بإعْفاء اللِّحَى؛ هو أَن يُوفَّر شَعَرُها ويُكَثَّر ولا يُقَصَر كالشَّوَارِبِ، من عَفا الشيءُ إذا كَثُرَ وزاد»
تدقيق الطرف لكلام خصمه (عمل خاص)
أغلب ما في كلام الخصم ثابت وأوافقه عليه: ثبوت الأمر بالإعفاء في حديث ابن عمر بالطرق الثلاث المتصلة (146_5469 و158_387 و319_4986)، وضعف حديث «من تشبه بقوم» (184_3514)، وضعف الطريق المسند في حديث «عشر من الفطرة» (184_49) لمداره على مصعب بن شيبة، وخلو روايتي الصحيحين «الفطرة خمس» (146_5466 و158_382) من ذكر اللحية. لكن موضع الخلاف ليس ثبوت الأمر بل دلالته، وحجة الخصم على الكراهة لا تقوم إلا على احتمال لا على دليل صارف، وعلى أثر موقوف لابن عمر لا يُحتج به منفرداً (وهو الذي أراد أن يهدم به الحرمة). وأما قوله إن ذكر إعفاء اللحية في الفطرة لا شاهد له غير طريق عائشة فغير دقيق، فقد وقفت على طريقين مسندين عن أبي هريرة بذكر إعفاء اللحية (454_1243 و121_8586) هما صالحان شاهدين وإن كانا دون قوة الصحيحين. كما اعترض على حكم القاعدة في 184_49 فتحققت فوجدت اعتراضه في محله.
(حديث، صحيح) الأمر بالإعفاء والتوفير ثابت في حديث ابن عمر، وأن حديث البخاري (146_5469) ومسلم (158_387) والنسائي (319_4986) متصلة صحيحة: تحققت من هذه الأحاديث بنفسي: 146_5469 نصه «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» وسنده محمد بن المنهال (6865) عن يزيد بن زريع (8418) عن عمر بن محمد (6005) عن نافع (7863) عن ابن عمر، وكلهم ثقات محتج بهم، والإسناد المخزّن يوافق المتن (text_vs_stored: agrees)، وحكم القاعدة «0 صحيح». و158_387 نصه «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى» وسنده متصل. و319_4986 نصه «أَعْفُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» عن عمرو بن علي الفلاس عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن أبي علقمة عن ابن عمر، والثوري صرّح بالتحديث فانتفت تهمة تدليسه، وحكم القاعدة «0 صحيح». فهذه الدعوى صحيحة وأوافق عليها.
(حديث، في غير موضعه) أن ابن عمر راوي الحديث كان إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه، وأن هذا يدعم الكراهة ويهدم دعوى الحرمة القاطعة: الزيادة ثابتة في متن 146_5469 («وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ»)، وهي كما قال الخصم أثر موقوف على ابن عمر لا مرفوع إلى النبي ﷺ، فهو فعل صحابي، ولا يصلح أن يكون دليلاً منفرداً يُبنى عليه الحكم ولا أن يهدم أمراً مرفوعاً ثابتاً؛ غاية ما فيه أنه استدلال بأثر موقوف، وهو غير صالح للاحتجاج به على الغير كما قرره الخصم نفسه.
(استدلال، لا يمكن التحقق منه) أن «الأمر المجرّد يحتمل الوجوب والندب»، وأن جمهور المحققين حمل أوامر الزينة والهيئات على الندب: هذه دعوى أصولية ودعوى نسبة إلى «جمهور المحققين» لم يذكر لها الخصم عالماً معيناً ولا كتاباً معيناً، ولا شيء منها في قاعدة البيانات مما يمكنني التحقق منه؛ فالنسبة غير مسندة، والنتيجة (حمل الأمر على الندب) لا تتبع من مجرّد الاحتمال، إذ الاحتمال لا يُخرج الأمر عن ظاهره بغير قرينة.
(حديث، صحيح) أن حديث «عشر من الفطرة» (184_49) مدار الرواية المسندة فيه على مصعب بن شيبة، وأن مصعباً ضعّفه النقاد، فالحديث لا يصلح أصلاً ولا شاهداً: راجعت سند 184_49 وسجل سراج مصعب بن شيبة (7518): أبو داود «ضعيف»، والنسائي «منكر الحديث ، ومرة : في حديثه شيء»، وابن حجر «لين الحديث»، والدارقطني «ليس بالقوي ولا بالحافظ» و«ضعيف»، وأحمد «روى أحاديث مناكير»، وأبو حاتم «لا يحمدونه وليس بقوي»، والذهبي «فيه ضعف»، والعقيلي ذكره في الضعفاء. والحكم المخزّن للحديث في هذا الموضع «1 حسن»، لكن الإسناد الذي احتججتُ به أنا (184_49) مداره على مصعب، فالحق مع الخصم في هذا الجزء.
(حديث، صحيح) أن الصحيحين رويا «الفطرة خمس» عن أبي هريرة (البخاري 146_5466، مسلم 158_382) ولم يذكرا إعفاء اللحية: 146_5466 نصه: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ الْخِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ» وحكمه «0 صحيح»؛ و158_382 نصه: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ... الْخِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَقَصُّ الشَّارِبِ» وحكمه «0 صحيح». ولم يذكر في واحد منهما إعفاء اللحية. ونزاع الخصم على حكم القاعدة في هذين الحديثين لا أُثيره، لأني تتبعت سندهما فوجدتهما ثابتين.
(حديث، صحيح) أن حديث «من تشبه بقوم فهو منهم» (184_3514) ضعيف مداره على عبد الرحمن بن ثابت العنسي: وافقتُ هذا في تحقيقي: 184_3514 حكمه المخزّن «1 حسن» لكن سنده فيه عبد الرحمن بن ثابت العنسي (4327) وفيه علم اختلاط (e5telat=1)، وقال العقيلي «ضعيف»، وأحمد «أحاديثه مناكير» و«لم يكن بالقوي»، والنسائي «ضعيف» ومرة «ليس بثقة»، وابن حجر «صدوق زاهد يخطئ ورمي بالقدر وتغير بأخرة». فالحديث ضعيف لا يُحتجّ به.
(قرآن، صحيح) أن الآيات (الحشر 59:7، النور 24:63، الأحزاب 33:36) ثابتة نصّاً وموضعاً لكنها عامة لا خاصة باللحية: تحققت من الآيات: 59:7 «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا» و24:63 «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبُهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» و33:36 «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا...». وقوله إنها عامة صحيح في نفسه، وهو إقرار من الخصم بأنها تفيد وجوب الاتباع والتحذير من مخالفة الأمر، وهذه الملازمة هي التي أعتمد عليها.
(حديث، معزوّ خطأً) أن حديث «الفطرة» المتضمن لإعفاء اللحية عند أبي داود مذكور في كلام أبي داود لا كإسناد مسند، وأنه لا شاهد قوي فيه: الخصم محقّ في أن الطريق المذكور في متن 184_49 نفسه هو طريق عائشة عبر مصعب بن شيبة، وأن ذكر أبي داود لطريق أبي سلمة جاء في سياق كلامه. لكن قوله إن ذكر إعفاء اللحية لا شاهد له غير دقيق، فقد وجدت في قاعدة البيانات طريقاً مسنداً آخر مستقلاً لذكر إعفاء اللحية عن أبي هريرة: 454_1243 (صحيح ابن حبان) بسنده الحسن بن سفيان عن حميد بن زنجويه عن ابن أبي أويس عن أخيه عن سليمان بن بلال عن محمد بن أبي مريم عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ «وَإِعْفَاءُ اللِّحَى»، وحكم القاعدة «1 حسن»؛ و121_8586 (مسند أحمد) بلفظ «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَاعْفُوا اللِّحَى، وَخَالِفُوا الْمَجُوسَ» وحكم القاعدة «1 حسن». فوجود ذكر إعفاء اللحية في طرق دون الصحيحين يبقى ثابتاً عن أبي هريرة وابن عمر، وإن كان لا يبلغ قوة الصحيحين.
(استدلال، صحيح) أنه لا نهي صريح في الباب عن الحلق ولا وعيد خاص به: بحثت في القاعدة عن نهي صريح بحلق اللحية فلم أجد حديثاً مرفوعاً صريحاً في النهي عن الحلق، وهذا صحيح في نفسه، لكنه لا يلزم منه عدم التحريم؛ لأن حجة الخصم إنما تُتِمّ لو لم يكن في الباب أمر مقتضٍ للوجوب.
(حديث، صحيح) أن حجته على حديث 184_49: اعتراض على اعتماد الخصم حكم القاعدة: اعتراضه على حديث 184_49 مبناه أن مدار الإسناد فيه على مصعب بن شيبة، وقد تتبعت سنده فوجدت الاعتراض صحيحاً، وأقررت بذلك.