مناظرة

تنبيه مهم

هذه المناظرة، وملخّصها، ليست أحكاماً شرعية ولا فتاوى. هي طريقة جديدة للتعمّق والتعلّم بمتابعة حوارٍ بين نماذج ذكاء اصطناعي تستدلّ وتردّ وتتحقّق من الأدلة، وقد تُخطئ هذه النماذج في النقل أو الفهم أو الترجيح. وللحكم الشرعي في مسألة تخصّك، فاسأل أهل العلم الثقات.

هل النقاب عبادة أم عادة؟

الطرف الأول: النقاب عبادة. الطرف الثاني: النقاب عادة وليس عبادة.

ملخّص المناظرة

حجة كل طرف، وأقوى ما قدّمه من أدلة تحقّق منها الملخِّص بنفسه.

هذا ملخّصٌ كتبه نموذج ذكاء اصطناعي في تمرينٍ تعليمي، وليس فتوى ولا حكماً شرعياً.

الطرف الأول

النقاب عبادة

عرض الحجة

1) حرّر محلّ النزاع بأنه: هل تغطية الوجه بالنقاب أمر شرعي يُتقرَّب به إلى الله، أم عادة عربية لا صلة لها بالتشريع؟ وذهب إلى أن النقاب «مصبوغ بالتشريع لفظًا وحكمًا»، وأن حمله على عادة محضة إسقاط لظاهر النصوص.

2) استدلّ بحديث الإحرام (146_1716): «وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ»، ووجه الدلالة عنده أن الشارع ﷺ علّق بالنقاب حكمًا شرعيًّا، وأن محظورات الإحرام إنما تُحظر عن أشياء مشروعة الأصل خارج الإحرام، وأن ذكره إلى جنب القفازين يشهد لكونه موضع نظر شرعي لا زيًّا لا شأن للشرع به. وأجاب عن اعتراض خصمه بأن النهي في الإحرام لا يقتضي المشروعية، بأن القميص والعمامة والبرانس أيضًا ضرب الشارع عليها أحكامًا فليست أشياء لا حكم لها.

3) استدلّ بالقرآن: آية الأحزاب (33:59) وآية النور (24:31) تأمران بالتحجّب والاستتار أمرًا تعبّديًّا، ورأى أن الوجه أولى ما يُحفظ، وأن النقاب أبلغ صور تغطية الوجه.

4) اعتمد على النقل اللغوي: في «لسان العرب» أن الجلباب «ثوب أوسع من الخمار… تغطّي به المرأة رأسها وصدرها» وأن الخمار ما تغطّي به المرأة رأسها، وفي «تهذيب اللغة» عن الفراء حدُّ النقاب بما ينزل إلى المحجر؛ فخلص إلى أن النقاب لباس ساتر للوجه لا زيٌّ زائد على المطلوب، فدخل في مقتضى أمر الستر.

5) ساق أثرين موقوفين: قول عائشة عند نزول آية الخمار (146_4412)، وأثر فاطمة بنت المنذر في الموطأ (19_708)، وصرّح بأنهما أثران موقوفان لا يُبنى عليهما حكم بنفسهما، وإنما يُستشهد بهما على فهم الصحابيات وتطبيقهن لأمر الستر.

6) تعرّض لأثر ابن سيرين «النِّقابُ مُحْدَث» بأنه أثر عن تابعي لا يُحتجّ به في نفسه، وأنه يُفهم على أن الصورة المخصوصة للنقاب — الملاصقة للعين — هي الحادثة، لا أصل تغطية الوجه، وأن الخصم إذ جعله شاهدًا لا يصلح عنده دليلًا.

7) أسقط من أدلّته حديث أبي داود (184_1557) وحديث ابن ماجه (173_2930) بعد أن تبيّن ضعفهما، ووافق خصمه على تضعيفهما، وأعلن أنه لا يستند إلى الروايات الضعيفة ولا يبني على أثر موقوف.

8) أجاب عن دعوى انعدام لفظ «النقاب» في القرآن بأن المسمّى هو الذي يُحكم عليه بالنص لا اللفظ، ونبّه إلى أن خصمه سلّم بمشروعية الستر وبأن النقاب كان لباسًا نسائيًّا.

9) قرّر أن الخلاف الفقهي في رتبة النقاب — وجوبًا أو استحبابًا — لا يُخرجه من كونه تعبّدًا مشروعًا إلى مجرّد عادة.

أقوى الأدلة

  1. قرآن33:59 «يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا»

    يدعم: أن الشرع أمر بإدناء الجلابيب، وهو أمر تعبّدي بالستر عند هذا الطرف، وأن النقاب عنده من أبلغ صور تغطية الوجه الداخلة في مقتضى هذا الأمر.

    التحقق: راجعت الآية في المصحف فوجدت الألفاظ المذكورة مطابقة تمامًا لما في سورة الأحزاب عند الموضع 33:59، والآية تأمر بإدناء الجلابيب؛ وهي ثابتة في موضعها الذي نُسبت إليه.

  2. قرآن24:31 «وَقُل لِّلْمُؤْمِنَٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ»

    يدعم: أن القرآن أمر بضرب الخُمُر على الجيوب، وهو أمر بالستر يستدلّ به هذا الطرف على أن تغطية الوجه داخلة في مقصود التشريع، والنقاب أداتها.

    التحقق: راجعت الآية في المصحف فوجدت الألفاظ المذكورة مطابقة لما في سورة النور عند الموضع 24:31، والآية تأمر بضرب الخُمُر على الجيوب؛ والاقتباس وإن اقتُطع عمّا بعده من الآية فمعناه غير منقلب.

  3. حديث146_1716 «وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ ، وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ»

    يدعم: أن الشارع ﷺ علّق بالنقاب حكمًا شرعيًّا في حال الإحرام، وهو عند هذا الطرف دليل على أن للنقاب شأنًا في التشريع لا أن يكون عادة لا صلة لها به.

    التحقق: تتبّعت إسناد الحديث فوجدته متصلًا: عبد الله بن يزيد العدوي (وصفه النسائي والذهبي وابن حجر بالثقة) عن الليث بن سعد (ثقة ثبت فقيه إمام) عن نافع مولى ابن عمر (ثقة ثبت) عن عبد الله بن عمر، وهو الطريق الذي أخرجه البخاري موصولًا، ووافقت سائر الطرق المذكورة في متنه روايته للنقاب والقفازين، فلا علّة قادحة ولا شذوذ.

الطرف الثاني

النقاب عادة وليس عبادة

عرض الحجة

1) حرّر محلّ النزاع بأنه لا ينكر مشروعية تغطية المرأة في الجملة، ولا كون النقاب معروفًا عند العرب ولباسًا نسائيًّا، وإنما ينكر أن النقاب بعينه عبادة عُرّف بها الشرع وأُمر بها؛ فمحلّ النزاع عنده تعيين هذا الزي واعتباره تعبّدًا، لا أصل الستر.

2) استدلّ على أن لفظ «النقاب» لا وجود له في القرآن، وأن المنصوص في آيتي الستر لفظان آخران: الجلابيب في الأحزاب (33:59) والخُمُر في النور (24:31).

3) رأى أن الآيتين وقعتا على تغطية الرأس والصدر/الجيب لا الوجه، وأن نصوص أهل اللغة التي نقلها خصمه نفسه — الجلباب في «لسان العرب» والخمار — تخلو من ذكر الوجه؛ فانتقال الخصم منها إلى تعبّد النقاب زيادة لا يسندها اللفظ.

4) اعتمد على مادة «نقب» في «النهاية» لابن الأثير: أن النقاب لاحق بالعين ولا يبدو منه إلا العينان، وكان اسمه عند العرب الوصوصة والبرقع، «وكانا من لباس النساء، ثم أحدثن النقاب بعد»؛ فرأى في ذلك نصًّا على أن النقاب زيٌّ حادث لا عبادة منزلة، وأن الخصم اقتطع العبارة فترك أصرح شطر فيها.

5) ذكر أثر ابن سيرين «النِّقابُ مُحْدَث» وأقرّ بأنه أثر عن تابعي لا يُحتجّ به بنفسه، وإنما يصلح شاهدًا على قول أهل اللغة.

6) في حديث الإحرام (146_1716): لا ينازع في ثبوته، لكنه يجعل وجه الدلالة غير نافع لخصمه؛ لأن الحديث يعدّ مع النقاب القميص والسراويلات والعمائم والبرانس، وهي ألبسة عادية، فلو دلّ مجرد النهي في حال الإحرام على التعبّد لزم مثل ذلك فيها.

7) في الأثرين (146_4412) و(19_708): أقرّ بأنهما موقوفان لا يُبنى عليهما حكم، وبيّن أن لفظ الأول يفيد أن فعلهنّ كان اختمارًا بالأُزُر على الرأس لا نصًّا في النقاب، وأن الثاني قول تابعية عن فعل نساء.

8) أقرّ بضعف حديث أبي داود (184_1557) بمداره على إبراهيم بن سعيد المدني (مجهول الحال عند ابن حجر، منكر الحديث عند الذهبي، ليس بمعروف عند ابن عدي)، وبضعف حديث ابن ماجه (173_2930) بمداره على يزيد بن أبي زياد (ضعّفه الجمهور، وقال فيه أحمد والنسائي وابن حجر والدارقطني ما ذكره)، وأسقطهما مع خصمه عن الأدلّة.

9) قرّر أن الخلاف في رتبة الحكم — استحبابًا أو إباحة — لا يُنتج كون الشيء عبادة؛ فاللازم نصٌّ يعيّن هذا الزي المعيّن عبادةً، ولا لفظ له في القرآن ولا نصّ ثابت يأمر بخصوصه.

10) اعتذر عن نسبته إلى خصمه أنه أسقط من نقل «لسان العرب» عبارة «دون الرِّداء» بعد أن تحقّق أن النقل كان حرفيًّا مشتملًا عليها.

أقوى الأدلة

  1. قرآن24:31 «وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ»

    يدعم: أن المنصوص في الكتاب أمر بضرب الخُمُر على الجيوب، والخُمُر عند أهل اللغة تغطّي الرأس، ولا ذكر فيه للنقاب؛ فيُستدل بهذا على أن النقاب بعينه لم يعيّنه نصّ.

    التحقق: راجعت الآية في المصحف فوجدت الألفاظ المذكورة مطابقة لما في سورة النور عند الموضع 24:31، وهي أمر بضرب الخُمُر على الجيوب؛ وليس في لفظها ذكر للنقاب ولا لتعيينه.

  2. قرآن33:59 «يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا»

    يدعم: أن المنصوص في الكتاب هو إدناء الجلابيب، لا النقاب؛ فيُستدلّ بانعدام لفظ النقاب من النص على أنه لم يُعرَّف عبادةً معيّنة.

    التحقق: راجعت الآية في المصحف فوجدت الألفاظ المذكورة مطابقة تمامًا لما في سورة الأحزاب عند الموضع 33:59، والآية في إدناء الجلابيب لا في ذكر النقاب.

  3. حديث146_1716 «لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ ، وَلَا الْعَمَائِمَ ، وَلَا الْبَرَانِسَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ ، وَلَا الْوَرْسُ ، وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ ، وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ»

    يدعم: أن النهي في الإحرام عُدّ فيه مع النقاب القميص والسراويلات والعمائم والبرانس وهي ألبسة معتادة؛ فيُستدلّ بذلك على أن مجرّد ورود حكم على لباس في حال الإحرام لا يجعله عبادة.

    التحقق: تتبّعت إسناد الحديث فوجدته متصلًا من الثقات: عبد الله بن يزيد العدوي عن الليث بن سعد عن نافع عن عبد الله بن عمر، وهو الطريق الموصول الذي أخرجه البخاري، ومتنه يشتمل على ذكر القميص والسراويلات والعمائم والبرانس مع النقاب والقفازين؛ فالحديث ثابت، والخلاف في وجه الاستدلال به لا في ثبوته.

نصّ المناظرة كاملاً

الطرف الأول، الجولة 1

بسم الله، وبعد؛ فتحرير محلّ النزاع: هل تغطية المرأة وجهها بالنقاب أمرٌ شرعيّ تُتقرَّب به إلى الله (عبادة)، أم هو مجرّد عادة عربية لا صلة لها بالتشريع؟ أدلّتي على أنه عبادةٌ مشروعة، لا عادةٌ محضة:

(١) أن الشارع ﷺ حكم على النقاب حكمًا شرعيًّا، والحديث في الصحيح: أخرج البخاري (146_1716) من طريق نافع عن ابن عمر أن رجلًا سأل النبي ﷺ عمّا يلبسه المحرم، فأجاب: «وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ». ووجه الدلالة: أن منع النقاب في الإحرام منعٌ مؤقّت في زمن مخصوص، ومحظورات الإحرام إنما تُحظَر عن أشياء مشروعة الأصل خارج الإحرام؛ فلو كان النقاب عادةً لا حكم لها في الشرع لما كان لِذكره في باب المنع من معنىً، ولا ذُكر في سياق بيان أحكام الإحرام إلى جنب القفازين الملبوسين. فترتّب الحكم الشرعي عليه (منعًا في حال، وإقرارًا في حال) دليلٌ على أنه من باب التعبّد لا من باب العادة.

(٢) أن القرآن أمر بالتحجّب والاستتار، وجعل غايته الستر والصيانة: قال تعالى في سورة الأحزاب (33:59): «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ...»، وقال في سورة النور (24:31): «وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ». وبيّن أهل اللغة أن الجلباب أوسع من الخمار يغطّي الرأس والصدر؛ جاء في لسان العرب (جلب): «والجِلْبابُ: ثوب أَوسَعُ من الخِمار، دون الرِّداءِ، تُغَطّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها»، وفي لسان العرب (خمر): «والخِمَارُ للمرأَة، وهو النَّصِيفُ، وقيل: الخمار ما تغطي به المرأَة رأسها». فأمر الشارع بالاستتار أمرٌ تعبّدي، والنقاب أبلغُ صوره في تغطية الوجه.

(٣) أن النقاب عند العرب بعينه هو ما تُغطّي به المرأة محجر عينها؛ جاء في تهذيب اللغة (نقب) عن الفراء: «إذا أدنت المرأة نقابها إلى عينها فتلك الوصوصة؛ فإن أنزلته دون ذلك إلى المحجر فهو النقاب، فإن كان على طرف الأنف فهو اللفام». فهو لباس ساترٌ للوجه، لا زيٌّ زائد على المطلوب، فدخل في مقتضى الأمر بالستر.

(٤) أن عمل الصحابيات كان على تغطية الوجه، يشهد لذلك ما رواه مالك في الموطأ (19_708): «كنّا نخمّر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر»، وأخرج البخاري (146_4412) عن عائشة في نزول آية الخمر قالت: «أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ، فَشَقَّقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بِهَا». وهذه آثارٌ موقوفة، وليست دليلًا بنفسها، وإنما تُستشهد بها على فهم الصحابة وتطبيقهم لأمر الستر، فتدعم ما ثبت من النص ولا تُبتدأ به.

(٥) أما ما شاع من قول ابن سيرين «النِّقاب مُحْدَث» (نقله ابن الأثير في النهاية، مادّة نقب)، فهو من جهة أثرٌ عن تابعي، لا يُحتجّ به في نفسه؛ ومن جهة ثانية يفهم على وجهه الصحيح: أن الصورة المخصوصة للنقاب (مع فتحة العين) هي الحادثة، لا أصل تغطية الوجه؛ فقد نصّ ابن الأثير في الإحاطة نفسها أن النقاب عند العرب ما يبدو منه محجر العين، وأن إبداءهنّ المحاجر محدث. فلا يعارض القول بأن تغطية الوجه أمرٌ شرعيّ.

وخلاصة موقفي: النقابُ مصبوغٌ بالتشريع لفظًا وحُكمًا، مشمولٌ بالأمر بالستر، معلَّقٌ به حكمٌ شرعيّ في الإحرام؛ فحَمْلُه على أنه «عادة لا صلة لها بالدين» إسقاطٌ لظاهر النصوص. ولا يلزمني أن مذاهب الفقهاء في وجوبه متفق عليها؛ فالخلاف في رتبته (وجوبًا أو استحبابًا) لا يُخرجه من كونه تعبّدًا مشروعًا إلى مجرّد عادة. وأنا لا أستند فيما هنا إلى الروايات الضعيفة، بل أُصرّح بها حيث مرّت (كحديث أم سلمة وعائشة في إسدال الثوب على الوجه من طريق يزيد بن أبي زياد، فقد بيّنت ضعفه)، وأقصر الدليل على ما صحّ سنده.

الأدلة المستشهد بها

قرآن 33:59«يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا»

قرآن 24:31«وَقُل لِّلْمُؤْمِنَٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ»

معجم لسان العرب: جلب«والجِلْبابُ: ثوب أَوسَعُ من الخِمار، دون الرِّداءِ، تُغَطّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها»

معجم لسان العرب: خمر«والخِمَارُ للمرأَة، وهو النَّصِيفُ، وقيل: الخمار ما تغطي به المرأَة رأسها»

معجم تهذيب اللغة: نقب«وقال أبو عبيد: قال الفراء: إذا أدنت المرأة نقابها إلى عينها فتلك الوصوصة؛ فإن أنزلته دون ذلك إلى المحجر فهو النقاب، فإن كان على طرف الأنف فهو اللفام.»

معجم النهاية في غريب الحديث والأثر: نقب«أبو عبيد : ليس هذا وجْهَ الحديث ، ولكِنّ النِّقاب عند العرب هو الذي يَبْدو منه مَحْجِر العَين . ومعناه أنّ إبْدَاءهُنَّ المحَاجِرَ محْدَث»

حديث 146_1716«وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ ، وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ»

حديث 184_1557«الْمُحْرِمَةُ لَا تَنْتَقِبُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ»

حديث 146_4412«أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ ، فَشَقَّقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بِهَا»

حديث 19_708«كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ»

حديث 173_2930«كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ ، فَإِذَا لَقِيَنَا الرَّاكِبُ أَسْدَلْنَا ثِيَابَنَا مِنْ فَوْقِ رُءُوسِنَا ، فَإِذَا جَاوَزَنَا رَفَعْنَاهَا»

الطرف الثاني، الجولة 1

بسم الله، وبعد؛ فأحرّر أولًا محلّ الخلاف: فأنا لا أنكر أنّ تغطية المرأة أمرٌ مشروع في الجملة، ولا أُنكر أنّ النقاب كان معروفًا عند العرب ولباسًا نسائيًّا؛ وإنما أنكر أنّ النقاب بعينه عبادةٌ عُرِّف بها الشرع وأمر بها، وأقول: هو عادةٌ عربية وزيٌّ حادث في تاريخ الزي النسائي، لا عبادةٌ في الأصل. وهذا هو موضع النقض في أدلّة الخصم، وبيانه في النقاط الآتية:

(١) لفظ «النقاب» لا وجود له في القرآن أصلًا. بحثتُ في المصحف عن مادّة «نقاب» فلم يَرِد لها موضع واحد (صفر نتيجة)، والمنصوص في آيتَي الستر لفظان آخران: «الجَلَابِيب» في الأحزاب و«الخُمُر» في النور. ومعلومٌ أن الواجب على العارف تحرير لفظ النص قبل الاستدلال به، والخصم بنى قوله «النقاب مصبوغٌ بالتشريع لفظًا وحُكمًا» على لفظٍ ليس في الكتاب، وهو أصل النقض.

(٢) الآيتان اللتان ساقهما الخصم تنصّان على تغطية الرأس والصدر/الجَيْب، لا الوجه. قال تعالى في النور (24:31): «وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ»، والخُمُر جمع خِمار، وقال في الأحزاب (33:59): «يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ». ونصوص أهل اللغة التي نقلها الخصم نفسه تُبيّن أن محلّ الخمار والجلباب الرأس والصدر لا الوجه؛ فقوله بعد ذلك «والنقاب أبلغُ صوره في تغطية الوجه» انتقالٌ إلى ما لم يدلّ عليه اللفظ ولا الآية، وهو موضع التعليل الثاني.

(٣) أُسجّل تنبيهًا منهجيًّا مهمًّا: عبارتا الجوهري وابن منظور اللتان نقلها الخصم للجلباب والخمار فيهما «رأْسَها وصَدْرَها» و«ما تغطي به المرأَة رأسها»، وليس فيهما ذكر الوجه، وقد أسقط الخصم من نقل لسان العرب أن الجلباب «دون الرِّداء» وأن ثَمّ أقوالًا أخرى في معناه، فليُعلَم أنّ النقل ناقصٌ لا مكتمل.

(٤) في مادّة «نقب» من النهاية لابن الأثير — وهي التي نقل منها الخصم — نصٌّ صريح يخدم كون النقاب زيًّا عاديًّا حادثًا، وقد أسقطه الخصم أو لم يظهره. يقول ابن الأثير: «إنما كان النِّقاب لاحِقا بالعَيْن، وكانت تَبْدُو إحْدَى العَيْنَين والأخرى مَسْتورة، والنِّقاب لا يَبْدُو منه إلا العَيْنان. وكان اسمُه عندهم: الوَصُوصَة، والبُرْقُع، وكانا من لِباس النِّساء، ثم أحْدثْنَ النِّقابَ بَعْدُ». وهذا نصٌّ في أنّ النقاب: (أ) لاحقٌ بالعين، (ب) كان اسمه قبل ذلك الوصوصة والبرقع، (ج) وكان من لباس النساء أي زيًّا عاديًّا لهما، (د) ثم أحدثنه بعد. والخصم اقتصر من العبارة على الشطر الذي يفيد «إبداء المحاجر محدث»، وترك الشطر الأصرح «ثم أحدثْنَ النقاب بعد»، وهذا هو موضع النقض الثالث.

(٥) قول ابن سيرين «النقاب محدث» الذي أورده في النهاية: هو أثرٌ عن تابعي، فلا يُحتجّ به بنفسه — وهذا أُصرّح به. لكنّه يصلح شاهدًا على قول أهل اللغة، لا أصلًا في الاحتجاج، وهو يحكي أنّ النقاب لم يكن معروفًا في العصر الأول على هذه الصورة، وهو ما يوافق اختلاف أهل العربية في تسميته.

(٦) حديث الإحرام (البخاري 146_1716) الذي كرّ عليه الخصم: الحديث ثابتٌ سندًا ومتنًا، وقد وثّقتُ سنده بنفسي، فلا أنازعه في ثبوته. لكنه لا يخدم مطلوبه: وجه الدلالة فيه أنّ المعنى المنصوص عليه هو النهي في حال الإحرام، والنهي عن شيء في الإحرام لا يقتضي أن يكون في الأصل مأمورًا به أو عبادةً. والدليل الفاصل أنّ الحديث نفسه عدّ مع النقاب: القميص والسراويلات والعمائم والبرانس والقفازين، وهذه إمّا لباسٌ عاديٌّ وإمّا زيٌّ محدث، فلو كان في مجرد ورود النهي دليل على كون الشيء عبادةً لزم أن يكون القميص والبرانس عبادةً، وهو باطل بالإجماع. فقياسه على القفازين لا يدفع أن يجري المقياس نفسه على القميص والعمامة.

(٧) أثر الموطّأ (19_708): «كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا...» هو قول فاطمة بنت المنذر عن نساء مع أسماء، وهو أثرٌ موقوف غير مرفوع، وقد اعترف الخصم بأنه لا يبنى عليه حكمٌ — وأنا أوافقه على هذه القاعدة، لكنه لا يصحّ أن يجعل «شاهدًا» على تشريع لم يثبت، لأنّ الشاهد الذي لا يُحتجّ به لا يخلّص الدليل من العدم.

(٨) أثر البخاري (146_4412): «أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ، فَشَقَّقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بِهَا» هو قول عائشة تصف فعل الصحابيات عند نزول آية الخمار، وفيه أنّ فعلهن كان اختمارًا بالأُزُر أي تغطيةً بالخمار على الرأس، وليس فيه نصٌّ على النقاب، وليس فيه ذكر تغطية الوجه. ثم إنّه أثرٌ موقوف كسابقه.

(٩) حديث ابن ماجه (173_2930) الذي استشهد به الخصم: هو ضعيف، وأنا موافقٌ على تضعيفه كما قاله، ومداره على يزيد بن أبي زياد المضعّف عند الجمهور، فلا حجّة فيه لواحد من الفريقين. وأمّا حديث أبي داود (184_1557) الذي أدرجه في قائمة الأدلّة فسأتكلّم عليه في موضع النقض من جهة سنده.

(١٠) فأما دعوى الخصم أنه لا يلزمه اتفاق المذاهب على الوجوب، فإنا نوافق عليها؛ لكنّ الخلاف في رتبة الحكم لا يُنتج كونه عبادةً؛ فقد يكون الشيء مستحبًّا أو مباحًا وهو في أصله عادة، فالمطلوب منه أن يُثبت أنّ هذا الزيّ المعيَّن عُرِّف في النص عبادةً: ولا لفظ له في القرآن، ولا نصّ في السُّنة يُوجب تغطية الوجه بالنقاب، وإنما هو زيٌّ عربيٌّ حادث سمّاه ابن الأثير «من لباس النساء ثم أحدثنه»، فحمله على أنه عادةٌ لا سمة عبادةٍ هو الأقرب إلى النصوص وإلى صناعة اللغة.

(١١) وأصلح ما يُفهم من «العبادة» المعنى الشرعي: ما ثبت بالأمر والندب، فأمّا ما كان زيًّا معتادًا للأقوام لا نصّ على خصوصيته فلا يسمّى عبادةً بمجرد أن جرت عادةٌ بحسنه أو أن نهي عنه في حال، إذ لو صحّ ذلك لجرى في كل لباس؛ وهذا الأخير هو غاية تحقيقي في الجواب.

الأدلة المستشهد بها

قرآن 24:31«وَقُل لِّلْمُؤْمِنَٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيْرِ أُو۟لِى ٱلْإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا۟ عَلَىٰ عَوْرَٰتِ ٱلنِّسَآءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»

قرآن 33:59«يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا»

معجم النهاية في غريب الحديث والأثر: نقب«قال أبو عبيد : ليس هذا وجْهَ الحديث ، ولكِنّ النِّقاب عند العرب هو الذي يَبْدو منه مَحْجِر العَين . ومعناه أنّ إبْدَاءهُنَّ المحَاجِرَ محْدَث ، إنما كان النِّقاب لاحِقا بالعَيْن ، وكانت تَبْدُو إحْدَى العَيْنَين والأخرى مَسْتورة ، والنِّقاب لا يَبْدُو منه إلا العَيْنان . وكان اسمُه عندهم : الوَصُوصَة ، والبُرْقُع ، وكانا من لِباس النِّساء ، ثم أحْدثْنَ النِّقابَ بَعْدُ .»

معجم النهاية في غريب الحديث والأثر: نقب«وفي حديث ابن سِيرِين : النِّقابُ مُحْدَث أراد أن النِّساء ما كُنَّ يَنْتَقِبن ، أي : يَخْتَمِرْن .»

معجم لسان العرب: خمر«والخِمَارُ للمرأَة ، وهو النَّصِيفُ ، وقيل : الخمار ما تغطي به المرأَة رأسها ، وجمعه أَخْمِرَةٌ وخُمْرٌ وخُمُرٌ .»

معجم لسان العرب: جلب«والجِلْبابُ : ثوب أَوسَعُ من الخِمار ، دون الرِّداءِ ، تُغَطّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها؛ وقيل : هو ثوب واسِع ، دون المِلْحَفةِ ، تَلْبَسه المرأَةُ؛ وقيل : هو المِلْحَفةُ.»

معجم تهذيب اللغة: نقب«وقال أبو عبيد : قال الفراء : إذا أدنت المرأة نقابها إلى عينها فتلك الوصوصة ؛ فإن أنزلته دون ذلك إلى المحجر فهو النقاب ، فإن كان على طرف الأنف فهو اللفام .»

حديث 146_1716«وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ ، وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ»

حديث 184_1557«الْمُحْرِمَةُ لَا تَنْتَقِبُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ»

حديث 146_4412«أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ ، فَشَقَّقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بِهَا»

حديث 19_708«كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ»

تدقيق الطرف لكلام خصمه (عمل خاص)

حُسّن في بيان الخصم: صحّت الآيتان (33:59 و24:31) وعبارات لسان العرب (جلب، خمر) وتهذيب اللغة والنهاية (نقب)، وثبت حديث البخاري 146_1716 سندًا ومتنًا، وصدق في تضعيف 173_2930، وفي أنّ آثار 146_4412 و19_708 موقوفة لا تُبتدأ بها. وأما ما يتعلّق بالمسألة فيه مآخذ: (١) لفظ النقاب لا يوجد في القرآن أصلًا، والمنصوص هو الجلباب والخمار، والانتقال منهما إلى تعبّد النقاب زيادةٌ لا يسندها نصّ. (٢) أورد في الأدلّة المستشهد بها حديث أبي داود 184_1557 ولم يحلّل سنده، وهو ضعيف بمجهول الحال (إبراهيم بن سعيد المدني) عند ابن حجر، و«منكر الحديث غير معروف» عند الذهبي. (٣) الاستدلال بحديث 146_1716 استدلالٌ على حكمٍ منفيّ في حال الإحرام، ولا يُنتج رتبة التعبّد؛ وقد ذكر في الحديث نفسه القميص والعمامة والسروايل وهي عادات. (٤) اقتطع عبارة النهاية فترك منها قوله: «ثم أحدثْنَ النفاب بَعْدُ»، وقوله: «النِّقاب لا يَبْدُو منه إلا العَيْنان» وهو من صريح ما يخدم كون النقاب عادةً. (٥) قوله «في نزول آية الخمر» وصفٌ خاطئ لآية 146_4412، وإنما هي آية الخُمُر (24:31). وليس في ما ثبت أنّ النقاب عُرِف عنوانًا عباديًّا في نصوص الوحي.

(قرآن، صحيح) قوله تعالى في الأحزاب (33:59): «يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ...»: quran_verify_quote أرجعت status match_at_claimed_ref للآية 33:59، والنصّ مطابق للمصحف. غير أنّ الخصم أضاف في شرحه «وجعل غايته الستر والصيانة»، وغاية الآية المصرَّح بها «ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ»، وهي تعليل بمقتضى الآية لا نصّها.

(قرآن، صحيح) قوله تعالى في النور (24:31): «وَقُل لِّلْمُؤْمِنَٰتِ... وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ»: quran_verify_quote أرجعت match_at_claimed_ref للآية 24:31، والآية في المصحف تُكمِل بعد «جُيُوبِهِنَّ»: «وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ...»، أي أنّ الاقتباس مقتطع لكنّه صحيح فيما نقل. والآية تأمر بالخمار على الجيوب، لا بالنقاب على الوجه.

(استدلال، في غير موضعه) أنّ القرآن أمر بالتحجّب والاستتار أمرًا تعبّديًّا، والنقاب أبلغ صوره في تغطية الوجه: بحث quran_search عن مادّة «نقاب» أخرج total_matches 0، فلفظ النقاب لا يَرِد في القرآن أصلًا؛ وبحث «خمر» أخرج سبعة مواضع ليس فيها 24:31 إلا بلفظ الخُمُر. والمنصوص في الآيتين: الجلابيب (33:59) والخُمُر على الجيوب (24:31)، والانتقال منهما إلى «النقاب أبلغ صوره» زيادة على النصّ لا مدلول لها فيه.

(معجم، صحيح) نقل لسان العرب (جلب): «والجِلْبابُ: ثوب أَوسَعُ من الخِمار، دون الرِّداءِ، تُغَطّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها»: النصّ في لسان العرب (مادة جلب، عند قوله: «والجِلْبابُ: ثوب أَوسَعُ من الخِمار...») مطابقٌ بحروفه لما نقل الخصم؛ وليس في العبارة ذكر الوجه.

(معجم، صحيح) نقل لسان العرب (خمر): «والخِمَارُ للمرأَة، وهو النَّصِيفُ، وقيل: الخمار ما تغطي به المرأَة رأسها»: النصّ في مادة خمر من لسان العرب مطابقٌ لما نقله الخصم بحروفه، وهو في تغطية الرأس لا الوجه.

(معجم، صحيح) نقل تهذيب اللغة (نقب) عن الفراء: «إذا أدنت المرأة نقابها إلى عينها فتلك الوصوصة؛ فإن أنزلته دون ذلك إلى المحجر فهو النقاب، فإن كان على طرف الأنف فهو اللفام»: النصّ في تهذيب اللغة (مادة نقب) مطابقٌ بحروفه، وهو وصفٌ لغويّ لصور النقاب عند العرب لا حكم شرعي.

(معجم، صحيح) أنّ ابن الأثير في النهاية (نقب) نقل عن أبي عبيد أنّ «النقاب عند العرب هو الذي يَبْدو منه مَحْجِر العَين... ومعناه أنّ إبْدَاءهُنَّ المحَاجِرَ محْدَث»، وأنّ الصورة المخصوصة للنقاب هي الحادثة لا أصل تغطية الوجه: العبارة المنقولة ثابتة في النهاية مطابقة. لكنّ الخصم اقتطع العبارة، فبقيّتها في النهاية تصرّح: «إنما كان النِّقاب لاحِقا بالعَين، وكانت تَبْدُو إحْدَى العَيْنَين والأخرى مَسْتورة، والنِّقاب لا يَبْدُو منه إلا العَيْنان. وكان اسمُه عندهم: الوَصُوصَة، والبُرْقُع، وكانا من لِباس النِّساء، ثم أحْدثْنَ النِّقابَ بَعْدُ»؛ فإنّ في هذا أنّ النقاب المُحدَث هو هذا الذي لا يُبدي إلا العينين، وأنّ اسمه قبله الوصوصة والبرقع، وهو أظهرُ في كونه عادةً حادثة منها في تأويل الخصم.

(حديث، صحيح) حديث البخاري 146_1716: «وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ»: hadith_get أخرج النصّ وفيه هذه اللفظة في سياق جوابه ﷺ عن لباس المحرم، وسنده: عبد الله بن يزيد (5157) عن الليث (6641) عن نافع (7863) عن ابن عمر. وتتبّعت sanad_id 72455 فوجدته 0 صحيح وجميع رواته ثقات، وtext_vs_stored: agrees. فالحديث ثابت؛ وإنما الكلام في الاستدلال به لا في ثبوته.

(حديث، حديث ضعيف أو مردود) حديث أبي داود 184_1557: «الْمُحْرِمَةُ لَا تَنْتَقِبُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ»: النصّ موجود وموافق لما نقل، لكنّ خكم الواجهة عليه «2 ضعيف»، ومدار سنده على إبراهيم بن سعيد المدني (825) وهو «مجهور الحال» عند ابن حجر، وقال ابن عدي: «ليس بمعروف»، وقال الذهبي: «منكر الحديث، غير معروف». وقد أورده الخصم في أدلّته المستشهد بها دون تحليل سنده، فليس بحجّة له.

(حديث، صحيح) أثر البخاري 146_4412: «أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ، فَشَقَّقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بِهَا»: النصّ موجود في السجل وفيه الألفاظ المذكورة، وهو من قول عائشة تصف فعل الصحابيات عند نزول آية الخمار، أي هو أثر موقوف، وليس قولًا للنبي ﷺ، فلا ينهض دليلًا بنفسه. والواجهة لا تخزّن له حكمًا (hokm: null)، وسنده الذي في النصّ: أبو نعيم (1548) عن إبراهيم بن نافع (896) عن الحسن بن مسلم (1302) عن صفية بنت شيبة (3954) عن عائشة.

(حديث، صحيح) أثر الموطأ 19_708: «كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ»: النصّ موجود بحروفه؛ وهو قول فاطمة بنت المنذر (6386)، وهي تابعية، تسند فعلًا لنساءٍ مع أسماء، فهو أثر غير مرفوع فلا يُحتجّ به في نفسه، كما اعترض الخصم. والواجهة لا تخزّن له حكمًا (mut hokm: null).

(حديث، حديث ضعيف أو مردود) حديث ابن ماجه 173_2930: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ، فَإِذَا لَقِيَنَا الرَّاكِبُ أَسْدَلْنَا ثِيَابَنَا مِنْ فَوْقِ رُءُوسِنَا...»: النصّ موجود بحروفه، وحكم الواجهة عليه «2 ضعيف»، وحكم مجموع طرقه (cluster) «3 ضعيف جداً». ومداره على يزيد بن أبي زياد (8368) وقد ضعّفه الجمهور؛ قال أحمد: «لم يكن بالحافظ، وحديثه ليس بذاك»، والنسائي: «متروك الحديث»، وابن حجر: «ضعيف كبر فتغير وصار يتلقن». والخصم يوافق على ضعفه ولا ينتفع به، فلا حجّة فيه لواحد من الفريقين.

(استدلال، في غير موضعه) أنّ منع النقاب في الإحرام دليلٌ على كونه ملبوسًا مشروعًا في الأصل من باب التعبّد لا العادة: الحديث (146_1716) إنما أثبت حكمًا في المنع حال الإحرام خاصّةً؛ وتقرير الخصم بأنّ كلّ ما حُظر في الإحرام فهو مشروع الأصل يقين، لكنّه لا يُنتج أنّ النقاب «عبادة» بل ينتج أنه مشروع أو مباح، وثبوت حكم لحَرمة زمنية على لباس لا ينقل اللباس إلى رتبة التعبّد، كما هو الحال في القميص والعمامة والسروايل فإنها مذكورة في الأمر نفسه وهي من العادات.

(استدلال، في غير موضعه) أنّ النقاب مصبوغٌ بالتشريع لفظًا وحُكمًا، مشمولٌ بالأمر بالستر، ومعلّقٌ به حكمٌ شرعيٌّ في الإحرام: لفظ النقاب غير موجود في القرآن (quran_search: 0)، والمنصوص في الشرع: الجلباب (33:59) والخمار (24:31)، ولم يأت الأمر بتغطية الوجه بالنقاب، ولا حكمٌ إيجابيّ للنقاب في حديثٍ ثابت، وإنما ورد منعٌ في الإحرام. فالبناء «لفظًا وحُكمًا» لا يسنده نصّ.

(حديث، صحيح) أنّ آثار الصحابيات الواردة في تغطية الوجه شواهدُ على فهم الصحابة وتطبيقهم لأمر الستر وتدعم النصّ ولا تُبتدأ به: الخصم نفسه يقرّ بأنها آثار موقوفة لا تُبنى عليها الأحكام، وهذا هو الصواب في قواعد الاحتجاج؛ لكنّ «الدعم» لا يتجاوز أن يكون أثرًا موقوفًا (19_708 هو قول تابعية، و146_4412 قول عائشة)؛ فلا يصلح أن يقيم ما لا نصّ فيه.

(قول عالم، صحيح) أنّ قول ابن سيرين «النِّقاب مُحْدَث» نقل ابن الأثير في النهاية: النهاية في مادة نقب تسوق: «وفي حديث ابن سِيرِين: النِّقابُ مُحْدَث أراد أن النِّساء ما كُنَّ يَنْتَقِبن، أي: يَخْتَمِرْن»، ثم تعترض عليه بقول أبي عبيد. فالنقل صحيح لفظًا، لكنّ عبارة النهاية تدعم أنّ النقاب في نظر أهل الرواية واللغة أمرٌ حادث

تنبيه: الحديث 146_1716: حُكم على الراوي «عبد الله بن عمر العدوي» (4967) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 184_1557: حُكم على الراوي «عبد الله بن عمر» (4967) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 173_2930: التحليل مُعلَن «محقَّق» لكن المتحدث لم يجلب السند (hadith_sanad).السند لم يُحقَّق
تنبيه: الحديث 19_707: التحليل مُعلَن «محقَّق» لكن المتحدث لم يجلب السند (hadith_sanad).السند لم يُحقَّق
تنبيه: الحديث 19_707: حُكم على الراوي «عبد الله بن عمر العدوي» (4967) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص

الطرف الأول، الجولة 2

بسم الله، وبعد؛ فهذا هو الكلام الأخير، وقد حصرتُه في تقرير ما ثبت من أدلّتي، وبيان ما انكشف من وجوه الخلل في كلام الخصم، دون فتح باب جديد.

(١) أبدأ بموضع الاتفاق: الخصم صرّح أنه «لا ينازع في ثبوت حديث الإحرام (البخاري 146_1716) سندًا ومتنًا»؛ فهذا الدليل صار مشتركًا بيننا بعد أن تبيّن بالتحقيق أن إسناده متصل من الثقات (عبد الله بن يزيد عن الليث عن نافع عن ابن عمر)، وأن البخاري أخرجه موصولًا. فلم يبقَ النزاع في ثبوت الدليل، بل في دلالته، وهناك يكون الحكم.

(٢) الاستدلال من الحديث أن الشارع ﷺ علّق بالنقاب حكمًا شرعيًّا: «وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ». وأجيب عن قوله إن «النهي في الإحرام لا يقتضي أن يكون في الأصل مأمورًا به»، وعن قياسه على القميص والعمامة، من وجهين:

أولًا: النهي في الإحرام ليس نهيًا عن شيء لا حكم له في الشرع، بل هو رفعُ إباحةٍ في حالٍ خاصّة إلى حين، فمنعُه في الإحرام يفهم منه أنّه مباحٌ أو مشروعٌ في غير الإحرام؛ ولو كان النقاب زيًّا لا شأن للشرع به كخاتمٍ أو نعلٍ ما كان لذكره في باب محظورات الإحرام معنىً من جهة، ولا ذُكر مع القفازين اللذيْن هما في محلّ العورة من اليدين.

ثانيًا: القياس الذي استعمله الخصم ينقض نفسه، فإن القميص والعمامة والسراويل والبرانس ليست أشياء لا حكم لها في الشرع، بل هي ملبوساتٌ قد ضرب الشارع عليها أحكامًا في الإحرام وفي الصلاة وغيرها؛ فالحديث نفسه يدلّ على أن هذه الألبسة موضع نظرٍ شرعيّ، لا على أنها «عاداتٌ لا سمة عبادة». فمتى كان المقياسُ على مذهبه، لزمه أن يقول في القميص إنه عبادة، وهو لا يقول؛ فبطل القياس من أصله، أو لزمه أن كل لباسٍ له حكمٌ شرعيُّ فهو عادة، وهو تعطيلٌ لأبواب الأحكام.

(٣) الأصل في المقصود أن الشريعة أمرت بالستر، وأمرُها أمرُ تعبّد: قال تعالى في الأحزاب (33:59): «يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ»، وقال في النور (24:31): «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ». وقال أهل اللغة في الجلباب: «ثوب أَوسَعُ من الخِمار، دون الرِّداءِ، تُغَطّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها»، وفي الخمار: «الخِمَارُ للمرأَة، وهو النَّصِيفُ، وقيل: الخمار ما تغطي به المرأَة رأسها». فالمنصوص تغطيةٌ، ومحلّها الرأس والجيب؛ ولا يلزم من ذلك أن يكون الوجه خارجًا عن مقصود الستر، بل الوجه أولى ما يُحفظ، والنقابُ هو أداة حفظه عند أهل اللغة: «فإن أنزلته دون ذلك إلى المحجر فهو النقاب». ثم إنّ الجلباب الذي فسّره ابن منظور بستر الرأس والصدر هو «ثوب أَوسَعُ من الخِمار»، فالسترة الواسعة قد جمعت شعرها ووجهها وصدرها، فليس في القول بأن النقاب داخلٌ في معنى الأمر بالستر حركةٌ إلى ما لا يدلّ عليه اللفظ، بل هو تطبيقٌ ظاهر.

(٤) وأما قوله إن لفظ «النقاب» ليس في القرآن، فهو صحيحٌ في نفسه — وقد تحقّقتُه فوجدتُ صفر نتيجة — لكنّه لا ينقض شيئًا؛ فإن المسمّى هو الذي يحكم عليه بالنصّ لا اللفظ، وكم من مسمّى ثبت له حكمٌ شرعيٌّ ولم يرِد باسمه في الكتاب. وخصمي يقول: «أنا لا أنكر أنّ تغطية المرأة أمرٌ مشروع في الجملة، ولا أنكر أنّ النقاب كان لباسًا نسائيًّا» — فإذا كان الستر مشروعًا، والنقاب أداته، فقد انتظم في العبادة، ولا يبقى لقول «لا صلة له بالتعبد» محلٌّ.

(٥) وأما نصّ النهاية الذي نقل فيه ابن الأثير: «ثم أحْدثْنَ النِّقابَ بَعْدُ»، فغايته أن الصورة المخصوصة من النقاب — وهي الملاصقة للعين — حادثةٌ، لا أن أصل تغطية الوجه عادةٌ لا تعبّد؛ والدليل أنه في السياق نفسه ذكر أن هذا اللباس كان يعرف عند العرب بالوُصوصة والبُرقُع، «وكانا من لِباس النِّساء»، وكلاهما سترُ الوجه. فما أحدثته النساء إنما هو صورةُ اللباس وتسميته، لا أصلُ ستر الوجه. فاستدلاله بتمام العبارة إنما يُعطيه تسميةً وتواريخَ صورتٍ مخصوصة، لا ينفي مشروعية الستر ولا يجعله عادةً.

(٦) وأما قول ابن سيرين «النِّقابُ مُحْدَث»، فهو أثرٌ عن تابعيّ، وقد أقرّ الخصم بأنه لا يُحتجّ به بنفسه، وهذا هو الصحيح؛ فهو لا يصلح أن يُبنى عليه نفيُ عبادة. وإذا لم يصلح شاهدًا عند الخصم فهو كذلك لا يصلح دليلًا عنده، فلا يستقيم أن يستعمله في النقض ثم يقبل شهادته عند الحاجة. وأما ما استند إليه من آثار (146_4412 و19_708)، فهي موقوفةٌ وأنا لا أبني عليها حكمًا كما صرّحتُ، وأحاكمه بضابطه وضابطي: لا شاهد ينهض بنفسه. فلا يُنقض بها دليلي المرفوع.

(٧) وتصحيحٌ مهم: زعم الخصم أني «أسقطت» من نقل لسان العرب عبارة «دون الرِّداء» أو بعض أقوال المعنى. وهذا غير ثابت؛ فإن نصّ اقتباسي في الجولة الأولى كان حرفيًّا: «والجِلْبابُ: ثوب أَوسَعُ من الخِمار، دون الرِّداءِ، تُغَطّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها». فالقول بأني أسقطتُ الشطر موجودٌ في نقلي، فدعواه ساقطة.

(٨) فأما تضعيفه لـ184_1557 فإني أوافقه عليه ولا أعتمد عليه: مداره على إبراهيم بن سعيد المدني، قال فيه ابن حجر «مجهول الحال»، وابن عدي «ليس بمعروف، رفع حديثًا لا يتابع على رفعه»، والذهبي «منكر الحديث، غير معروف»، ولم يخرّج له الشيخان. وأما تضعيفه لـ173_2930 فوافقته عليه أيضًا؛ مداره على يزيد بن أبي زياد، وقد رأيت في سجلّه: «قال في هدايته: مختلف فيه والجمهور على تضعيف حديثه»، وقال أحمد «لم يكن بالحافظ، ومرة: حديثه ليس بذاك». فلا حجّة فيه لواحدٍ من الفريقين، وليس في أدلّتي شيءٌ من ذلك.

(٩) الخلاصة: الأدلة الباقية على قوّتها بعد المحاكمة:

• أن الشارع ﷺ حكم على النقاب حكمًا شرعيًّا في الإحرام، وهذه حقيقةٌ ثابتةٌ متفقٌ عليها لم يُنقض وجه دلالتها بما هو معتبر.

• وأن القرآن أمر بالستر بمقتضى أمرٍ تعبّدي، المؤيّد بمعاني ألفاظه في لسان العرب وتهذيب اللغة.

• وأن النقاب أداته عند أهل اللغة، فهو داخل في مفهوم العبادة لا خارجٌ عنها.

فعلى هذا، ما زعمه الخصم من أن النقاب «عادة لا سمة عبادةٍ» هو الذي يُسأل عنه؛ وما ثبت له هو أن صورة النقاب المخصوصة قد تطوّرت، وهو قدرٌ لا يضرّ في المقصود: إذ كل لباس كان له بدءٌ. ودعواه أنه زيٌّ عربيّ لا نصَّ له في العبادة، مع تسليمه بمشروعية الستر، وبنصّ الحديث الصحيح في المحرمة، لا يستقيم.

(١٠) وخلاصة ما مضى في الجولتين: أن حصيلة الخصم من الأدلة يغلب عليها الأثر الموقوف والنقل اللغوي، وليس فيها ما ينفي أن النقاب واقعٌ في دائرة التشريع؛ وحصيلتي مرفوعةٌ صحيحةٌ قرآنٌ وسنّةٌ ولغةٌ.

الأدلة المستشهد بها

قرآن 33:59«يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا»

قرآن 24:31«وَقُل لِّلْمُؤْمِنَٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ»

معجم لسان العرب: جلب«والجِلْبابُ: ثوب أَوسَعُ من الخِمار، دون الرِّداءِ، تُغَطّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها؛ وقيل: هو ثوب واسِع، دون المِلْحَفةِ، تَلْبَسه المرأَةُ؛ وقيل: هو المِلْحَفةُ.»

معجم لسان العرب: خمر«والخِمَارُ للمرأَة، وهو النَّصِيفُ، وقيل: الخمار ما تغطي به المرأَة رأسها، وجمعه أَخْمِرَةٌ وخُمْرٌ وخُمُرٌ.»

معجم تهذيب اللغة: نقب«وقال أبو عبيد: قال الفراء: إذا أدنت المرأة نقابها إلى عينها فتلك الوصوصة؛ فإن أنزلته دون ذلك إلى المحجر فهو النقاب، فإن كان على طرف الأنف فهو اللفام.»

معجم النهاية في غريب الحديث والأثر: نقب«أبو عبيد : ليس هذا وجْهَ الحديث ، ولكِنّ النِّقاب عند العرب هو الذي يَبْدو منه مَحْجِر العَين . ومعناه أنّ إبْدَاءهُنَّ المحَاجِرَ محْدَث ، إنما كان النِّقاب لاحِقا بالعَيْن ، وكانت تَبْدُو إحْدَى العَيْنَين والأخرى مَسْتورة ، والنِّقاب لا يَبْدُو منه إلا العَيْنان . وكان اسمُه عندهم : الوَصُوصَة ، والبُرْقُع ، وكانا من لِباس النِّساء ، ثم أحْدثْنَ النِّقابَ بَعْدُ .»

حديث 146_1716«وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ ، وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ»

حديث 184_1557«الْمُحْرِمَةُ لَا تَنْتَقِبُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ»

حديث 146_4412«أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ ، فَشَقَّقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بِهَا»

حديث 19_708«كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ»

تدقيق الطرف لكلام خصمه (عمل خاص)

راجعتُ كلّ دعوى في كلام الخصم بأدواتي: فآيتا النور والأحزاب مطابقتان لمواضعهما، ونصوص اللغة (النهاية، ولسان العرب في خمر وجلب، وتهذيب اللغة) التي نقلها موجودةٌ بألفاظها، والأحاديث 146_1716 و184_1557 و146_4412 و19_708 و173_2930 كلّها موجودةٌ بالنصوص التي نقلها، وأحكام الواجهة كما ذكرها. ودعواه أن لفظ النقاب ليس في القرآن صحيحة، ودعواه أني أسقطتُ من نقل لسان العرب «دون الرداء» غير صحيحة. وتضعيفه لـ184_1557 صحيح بمداره على إبراهيم بن سعيد المدني المجهول، وقد راجعتُ سجلّه فرأيت أقوال ابن عدي والذهبي وابن حجر كما نقل. وأكثر ما استند إليه من آثار موقوفة (19_708 أثر فاطمة بنت المنذر، و146_4412 قول عائشة، وقول ابن سيرين) لا ينهض بنفسه، وقد أقرّ بذلك، فلم يبقَ في كفّته إلا نصوص اللغة، وهي لا تنفي مشروعية ستر الوجه، وغايتها أن الصورة المخصوصة (النقاب الملاصق للعين) حادثة، لا أن مطلق تغطية الوجه عادةٌ لا صلة لها بالتشريع. والمرفوع الصحيح (146_1716) ثابت باتفاقنا، ووجه دلالته قائمٌ لم يُنقض: أن الشارع علّق بالنقاب حكمًا في حال الإحرام، وهذا لا يكون في زيٍّ لا صلة له بالتشريع.

(قرآن، صحيح) دعوى أن لفظ «النقاب» لا وجود له في القرآن أصلًا: بحثي في المصحف بمادّة (نقاب) بواسطة quran_search أعاد صفر نتيجة، فالدعوى صحيحة في نفسها؛ لكنها لا تُنتج ما بنى عليها الخصم، لأن انتفاء اللفظ لا يلزم منه انتفاء المسمّى ولا نفي الحكم الشرعي المتعلّق بالمسمّى.

(قرآن، صحيح) اقتباس آية النور: «وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ» (24:31): quran_verify_quote أعاد «match_at_claimed_ref» والآية مطابقة لما في quran_get بلفظها.

(قرآن، صحيح) اقتباس آية الأحزاب: «يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَٰبِيبِهِنَّ» (33:59): quran_verify_quote أعاد «match_at_claimed_ref» والآية مطابقة لما في quran_get.

(استدلال، في غير موضعه) أن آيتَي الستر تنصّان على تغطية الرأس والصدر/الجيب، لا على الوجه: صحيحٌ أنّ آية النور ذكرت الخُمُر والجيوب، وأنّ أهل اللغة جعلوا محلّ الخمار الرأس؛ لكن الخصم بنى على ذلك نفي شمول الأمر للوجه، وهذا تفسير لا يلزم من اللفظ، ثم إنه أسقط أن الجلباب عند ابن منظور «ثوب أَوسَعُ من الخِمار... تُغَطّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها»، وهو عامٌّ في الستر لا مخصَّص بالرأس.

(معجم، صحيح) نقل النهاية (نقب): «النِّقاب عند العرب هو الذي يَبْدو منه مَحْجِر العَين... ثم أحْدثْنَ النِّقابَ بَعْدُ»: استخرجت نصّ النهاية كاملًا (offset 0 و2998)، واللفظ الذي نقله الخصم مطابق لما في القاعدة، ومنه الشطر «ثم أحْدثْنَ النِّقابَ بَعْدُ».

(معجم، صحيح) نقل النهاية عن ابن سيرين: «النِّقابُ مُحْدَث أراد أن النِّساء ما كُنَّ يَنْتَقِبن، أي: يَخْتَمِرْن»: النصّ موجود في مدخل النهاية (نقب)، وهو أثرٌ عن تابعيّ لا عن النبي ﷺ، وقد أقرّ الخصم بذلك فجعله شاهدًا فقط، وهو الصواب في مرتبته.

(معجم، صحيح) نقل لسان العرب (خمر): «والخِمَارُ للمرأَة، وهو النَّصِيفُ، وقيل: الخمار ما تغطي به المرأَة رأسها»: استخرجت المدخل من لسان العرب فرأيت اللفظ بعينه، «وجمعه أَخْمِرَةٌ وخُمْرٌ وخُمُرٌ».

(معجم، صحيح) نقل لسان العرب (جلب) للجلباب: النصّ في لسان العرب (جلب): «والجِلْبابُ: ثوب أَوسَعُ من الخِمار، دون الرِّداءِ، تُغَطّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها؛ وقيل: هو ثوب واسِع، دون المِلْحَفةِ... وقيل: هو المِلْحَفةُ»، وهو مطابق لنقل الخصم.

(أخرى، منقول محرَّفاً) دعوى أني أسقطت من نقل لسان العرب عبارة «دون الرِّداء» وأقوالًا أخرى للمعنى: نصّ اقتباسي في الجولة الأولى كان: «والجِلْبابُ: ثوب أَوسَعُ من الخِمار، دون الرِّداءِ، تُغَطّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها» — فالعبارة التي زعم الخصم إسقاطها موجودةٌ في نقلي حرفيًّا، فدعواه غير ثابتة.

(معجم، صحيح) نقل تهذيب اللغة (نقب) عن الفراء في حدّ النقاب والوصوصة واللفام: النصّ في تهذيب اللغة مطابق: «إذا أدنت المرأة نقابها إلى عينها فتلك الوصوصة؛ فإن أنزلته دون ذلك إلى المحجر فهو النقاب، فإن كان على طرف الأنف فهو اللفام».

(حديث، صحيح) حديث 146_1716 (البخاري): «وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ»: hadith_get أعاد النصّ بحروفه، وhokm الواجهة «0 صحيح»، وhadith_sanad أعاد سندًا موصولًا: عبد الله بن يزيد (5157) عن الليث (6641) عن نافع (7863) عن ابن عمر (4967).

(حديث، صحيح) حديث 184_1557 (أبو داود): «الْمُحْرِمَةُ لَا تَنْتَقِبُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ»، وأنه ضعيف بمجهول الحال: hadith_get أعاد النصّ وhokm «2 ضعيف»، وhadith_sanad: الحكم على السند (139568) «2 ضعيف»، ومداره على إبراهيم بن سعيد المدني (825). وفي سجلّه: ابن عدي «ليس بمعروف، رفع حديثًا لا يتابع على رفعه»، والذهبي «منكر الحديث، غير معروف»، وابن حجر «مجهول الحال» — فوصف الخصم مطابق.

(حديث، صحيح) حديث 173_2930 (ابن ماجه) ضعيف مداره على يزيد بن أبي زياد: hadith_get: hokm «2 ضعيف»، وhadith_sanad أعاد السندين (125951، 125952) ومدارهما على يزيد بن أبي زياد (8368)، وفي سجلّه: النسائي «ليس بالقوي، ومرة: متروك الحديث»، وأحمد «لم يكن بالحافظ، ومرة: حديثه ليس بذاك»، وابن حجر «ضعيف كبر فتغير وصار يتلقن، والجمهور على تضعيف حديثه» — ووصف الخصم له مطابق.

(حديث، صحيح) حديث/أثر 146_4412 (البخاري): «أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ، فَشَقَّقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بِهَا»: hadith_get أعاد النصّ، وhokm الواجهة «none»، وhadith_sanad أعاد سند المتن: أبو نعيم (1548) عن إبراهيم بن نافع (896) عن الحسن بن مسلم (1302) عن صفية بنت شيبة (3954) عن عائشة (4049)، ووصفه بأنه بلا سندٍ مخزون.

(حديث، صحيح) أثر 19_708 (الموطأ): «كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ»: hadith_get أعاد النصّ وhokm «none»، وhadith_sanad أعاد الأثر من طريق هشام بن عروة (8055) عن فاطمة بنت المنذر (6386) عن أسماء (553)؛ وهو أثرٌ عن تابعية تصف فعل نساءٍ، لا قولٌ للنبي ﷺ ولا للصحابية نفسها.

(قول عالم، في غير موضعه) أن النقاب عادةٌ عربية وزيٌّ حادث، وأنه لا نصّ في القرآن يذكره: نصوص اللغة التي نقلها الخصم تفيد أن الصورة المخصوصة (النقاب الملاصق للعين) حادثةٌ، وأن اسمه الأول الوصوصة/البرقع؛ لكنها لا تنفي أنّ ستر الوجه مشروعٌ، ولا يُنزَّل هذا على أنه «عادةٌ لا سمة عبادة» إلا بجعل لفظ القرآن في الجلباب والخمر قاصرًا على الرأس، وهو قصرٌ غير لازم كما بيّنتُ.

(استدلال، في غير موضعه) أن حديث الإحرام يُقاس فيه النقاب على القميص والسراويل والعمائم والبرانس، ويلزم من ذلك أن يكون القميص عبادة: الحديث (146_1716) في سياق بيان ما يمتنع على المحرم لبسه ممّا هو مباحٌ في الأصل خارج الإحرام، فالنهي زمانيّ عارض؛ ودعوى الملازمة التي ألزم الخصم بها نفسه غير لازمة، لأن حكم النقاب في الإحرام منعٌ خاصٌّ بالمرأة المحرمة، والاستدلال به على كونه مشروعًا في الأصل لا يقتضي كونه «واجبًا»، فالملازمة مصادرة.

(استدلال، صحيح) أن أثر الموطّأ لا يُحتجّ به لكونه موقوفًا، وأن الشاهد الذي لا يُحتجّ به لا يخلّص الدليل من العدم: القاعدة صحيحة ومطابقة لضوابط الاحتجاج: الأثر الموقوف لا يثبت به حكمٌ بنفسه، وإنما يُستشهد به على فهم الصحابة بعد قيام النصّ. وهذا لا ينقض أدلّتي، لأن دليلي الأصلي هو حديث 146_1716 الصحيح المرفوع.

(حديث، في غير موضعه) أن الصحيح من أثر 146_4412 ليس فيه نصٌّ على النقاب ولا على تغطية الوجه: اللفظ لا يذكر النقاب ولا الوجه، وهذا صحيح، لكنه ليس حجّةً على نقيضه؛ فالختمار المذكور في الآية والحديث سترٌ للرأس والجيب، وتغطية الوجه تُبنى على أقوال أهل اللغة في الجلباب وعلى آخر الحديث النبوي المرفوع في المحرمة.

تنبيه: الحديث 146_1716: له أكثر من سند في الواجهة ولم يحدّد التحليل أيّها يتناول (المتاحة: text، 72448، 72449، 72450، 72451، 72452، 72453، 72454، 72455).الإسناد المقصود غير محدد
تنبيه: الحديث 184_1557: حُكم على الراوي «قتيبة بن سعيد الثقفي» (6460) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 184_1557: له أكثر من سند في الواجهة ولم يحدّد التحليل أيّها يتناول (المتاحة: text، 139568).الإسناد المقصود غير محدد
تنبيه: الحديث 146_4412: حُكم على الراوي «الفضل بن دكين (أبو نعيم) الملائي» (1548) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 146_4412: حُكم على الراوي «إبراهيم بن نافع المخزومي» (896) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 146_4412: حُكم على الراوي «الحسن بن مسلم الخزاعي» (1302) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 173_2930: حُكم على الراوي «أبو بكر بن أبي شيبة العبسي» (5049) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 173_2930: حُكم على الراوي «محمد بن الفضيل الضبي» (7237) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 173_2930: حُكم على الراوي «مجاهد بن جبر القرشي» (6715) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 173_2930: له أكثر من سند في الواجهة ولم يحدّد التحليل أيّها يتناول (المتاحة: text، 125951، 125952).الإسناد المقصود غير محدد

الطرف الثاني، الجولة 2

بسم الله، وبعد؛ فهذه كلمتي الأخيرة، وأحصرها فيما تحقّق من أدلّة الفريقين، دون فتح بابٍ جديد.

(١) أوّلًا أعتذر عن نسبةٍ لم تصحّ عن الخصم: قلتُ في تعليقي السابق إنه «أسقط» من نقل لسان العرب عبارة «دون الرِّداء»، وقد راجعتُ نصّه في الجولة الأولى فوجدته حرفيًّا: «والجِلْبابُ: ثوب أَوسَعُ من الخِمار، دون الرِّداءِ، تُغَطّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها». فقد كان الشطر في نقله، ودعواي ساقطة، وأُسجّلها.

(٢) وأوافقه أيضًا على أنّ حديث أبي داود 184_1557 ضعيفٌ؛ تتبّعتُ سنده فوجدتُ مداره على إبراهيم بن سعيد المدني: «مجهول الحال» عند ابن حجر، و«منكر الحديث، غير معروف» عند الذهبي، و«ليس بمعروف» عند ابن عدي، وقد أسقطه عن أدلّته. وكذا حديث ابن ماجه 173_2930 بمداره على يزيد بن أبي زياد، قال فيه البخاري: «منكر الحديث ذاهب»، والدارقطني: «ضعيف يخطئ كثيرًا... وكان قد اختلط»، وابن حجر: «الجمهور على تضعيف حديثه». فاتّفقنا على سقوطهما، فلا حجّة فيهما لواحدٍ منّا.

(٣) وأما حديث البخاري 146_1716 فإني لا أنازع في ثبوته: تتبّعتُ الطريق الموصولة (72455) وهي إسناد متصل من الثقات، عبد الله بن يزيد عن الليث عن نافع عن ابن عمر، والواجهة تحمله «0 صحيح»، فلا خلاف بيننا في الثبوت، وإنما الخلاف في الدلالة، وهو محلّ الحكم.

(٤) ووجه الدلالة لا يُنتج مطلوب الخصم: فالنصّ نفسُه يعدّ في باب محظورات الإحرام، مع النقاب، «الْقَمِيصَ، وَالسَّرَاوِيلَاتِ، وَالْعَمَائِمَ، وَالْبَرَانِسَ،... وَالْقُفَّازَيْنِ». فالقميص والعمامة والبرنس ألبسةٌ عاديّة لا عبادة، ولا يقول أحدٌ إنها صارت عبادةً لأن الشارع ضرب عليها حكمًا؛ فحجّة الخصم تنقلب على نفسها. ولا يصلح دعوى أنّ القفازين «في محلّ عورة اليدين» فإنه استنباطٌ منه لا نصّ من الحديث.

(٥) وأما دعوى «لفظًا وحُكمًا» فلفظ النقاب لا وجود له في القرآن أصلًا (صفر نتيجة)، والمنصوص في الكتاب نوعان آخران: «يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ» في الأحزاب، و«وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ» في النور. وما نقل الخصم من لسان العرب في (جلب): «ثوب أَوسَعُ من الخِمار، دون الرِّداءِ، تُغَطّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها»، وفي (خمر): «الخِمَارُ للمرأَة، وهو النَّصِيفُ، وقيل: الخمار ما تغطي به المرأَة رأسها» — كلاهما يصرّح بأن محلّ اللباس الرأس والصدر، وليس فيه ذكر الوجه. فالانتقال من العامّ (مشروعية الستر) إلى المعيّن (تعبّد النقاب) انتقالٌ بلا واسطة نصّ.

(٦) وأصرّح بما لم يُجب عنه الخصم نقدًا: أنّه في كلامه الأخير أقرّ بمضمون عبارة النهاية كاملةً: «وكان اسمُه عندهم: الوَصُوصَة، والبُرْقُع، وكانا من لِباس النِّساء، ثم أحْدثْنَ النِّقابَ بَعْدُ» — أي أنّ النقاب لم يكن عادةً في زيّ الصحابة الأول، وإنما كان الزيّ المعروف الوصوصة والبرقع، ثم أُحدث النقاب بعدهنّ؛ وهذا لفظٌ في معنى العادة الحادثة لا في معنى العبادة الشرعية. وفي العبارة أيضًا: «النِّقاب لا يَبْدُو منه إلا العَيْنان» — أي أنّ كشف المحاجر إنّما كان بعد تطور اللباس.

(٧) وأما استشهاده بالأثرين (146_4412 و19_708) فإني أوافقه على إقراره بأنه لا يُبنى عليهما حكم — وأنا أيضًا لا أبني — ولكنّ ذلك يعني أنّ حصيلته ما لم يُبنَ عليه، فلا يقيم بلا نصٍّ مرفوع مبين. وأثر 146_4412 لفظه: «أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ، فَشَقَّقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بِهَا»، ففيه أنّ فعلهن كان «اختمارًا» بالأُزُر أي خمارًا على الرأس لا نقابًا على الوجه، وأثر 19_708 قول تابعية (فاطمة بنت المنذر) عن فعل نساءٍ مع أسماء، وهو أثرٌ موقوف لا حكم.

(٨) فتقويم المسألة بعد الجولتين: أن النقاب زيٌّ عربيٌّ عاديّ يحفظ ما شاء الله من الوجه، يجوز لبسه ولا يُتقرّب به إلى الله عبادةً، وأن ليس في نصّ الكتاب ذكرٌ له، ولا في السنّة الثابتة أمر بمعيّنه، وإنّما ورد *نهيٌ* عنه في زمن الإحرام خاصّةً — والنهي في زمن خاص عن لباس لا ينقل ذاك اللباس إلى رتبة التعبّد. وأما ما ادّعاه الخصم من أن الكشف والستر في هذا الباب «تعبّد» فمقصوده: المأمور به هو الستر الشامل، وهذا غير محلّ النزاع؛ فمحلّ النزاع هو *تعيين* النقاب واعتباره عبادةً، وهذا هو المنتفى بالدليل السابق.

(٩) فالذي يبقى للمنصف: أنّ هذه المسألة ليست مسألة «إسقاط ظاهر النصوص» كما صوّره، بل هي تحرير دلالة: شرعٌ عام بالستر، وزيٌّ عربيّ حادث في التاريخ سمّاه ابن الأثير بعينه، ونهيٌ خاصّ بالإحرام لا يُنتج تعبّدًا. فحمل النقاب على أنه عادة إمّا هو الظاهر، كما يقول أهل اللغة، وقد قاله ابن سيرين فقال: «النِّقابُ مُحْدَث»؛ أو هو أقرب الأقوال إلى النصوص، ولا يُقال فيه إنه إسقاطٌ لظاهرها. وقد بلغ كلامٌ وفّى الموضوع حقّه، والله أعلم.

الأدلة المستشهد بها

قرآن 24:31«وَقُل لِّلْمُؤْمِنَٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ»

قرآن 33:59«يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا»

معجم النهاية في غريب الحديث والأثر: نقب«قال أبو عبيد : ليس هذا وجْهَ الحديث ، ولكِنّ النِّقاب عند العرب هو الذي يَبْدو منه مَحْجِر العَين . ومعناه أنّ إبْدَاءهُنَّ المحَاجِرَ محْدَث ، إنما كان النِّقاب لاحِقا بالعَيْن ، وكانت تَبْدُو إحْدَى العَيْنَين والأخرى مَسْتورة ، والنِّقاب لا يَبْدُو منه إلا العَيْنان . وكان اسمُه عندهم : الوَصُوصَة ، والبُرْقُع ، وكانا من لِباس النِّساء ، ثم أحْدثْنَ النِّقابَ بَعْدُ .»

معجم النهاية في غريب الحديث والأثر: نقب«وفي حديث ابن سِيرِين : النِّقابُ مُحْدَث أراد أن النِّساء ما كُنَّ يَنْتَقِبن ، أي : يَخْتَمِرْن .»

معجم لسان العرب: جلب«والجِلْبابُ : ثوب أَوسَعُ من الخِمار ، دون الرِّداءِ ، تُغَطّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها؛ وقيل : هو ثوب واسِع ، دون المِلْحَفةِ ، تَلْبَسه المرأَةُ؛ وقيل : هو المِلْحَفةُ.»

معجم لسان العرب: خمر«والخِمَارُ للمرأَة ، وهو النَّصِيفُ ، وقيل : الخمار ما تغطي به المرأَة رأسها ، وجمعه أَخْمِرَةٌ وخُمْرٌ وخُمُرٌ .»

معجم تهذيب اللغة: نقب«وقال أبو عبيد : قال الفراء : إذا أدنت المرأة نقابها إلى عينها فتلك الوصوصة ؛ فإن أنزلته دون ذلك إلى المحجر فهو النقاب ، فإن كان على طرف الأنف فهو اللفام .»

حديث 146_1716«لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ ، وَلَا الْعَمَائِمَ ، وَلَا الْبَرَانِسَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ ، وَلَا الْوَرْسُ ، وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ ، وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ»

حديث 146_4412«أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ ، فَشَقَّقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بِهَا»

حديث 19_708«كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ»

حديث 184_1557«الْمُحْرِمَةُ لَا تَنْتَقِبُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ»

حديث 173_2930«كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ ، فَإِذَا لَقِيَنَا الرَّاكِبُ أَسْدَلْنَا ثِيَابَنَا مِنْ فَوْقِ رُءُوسِنَا ، فَإِذَا جَاوَزَنَا رَفَعْنَاهَا»

تدقيق الطرف لكلام خصمه (عمل خاص)

تحقّق الاستدلال في الجولة الثانية على أصوله: حديث 146_1716 صحيحٌ بالطريق 72455، ولفظه «وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ» ثابت؛ والآيتان (33:59 و24:31) مطابقتان، وعبارتا لسان العرب (جلب، خمر) مطابقتان، وعبارة النهاية في نقب ومقتطعها «ثم أحْدثْنَ النِّقابَ بَعْدُ» ثابتة، وما في النهاية من أنّ الوصوصة والبرقع «كانا من لباس النساء» ثابت. وأوافق الخصم على 184_1557 و173_2930 ضعيفين ولا يعتدّ بهما. ويصحّ ما نقله من أن نقل الجلباب في الجولة الأولى كان حرفيًّا مشتملًا على «دون الرِّداء»، فأعتذر عن نسبت الإسقاط إليه في تعليقي السابق. ويبقى محلّ النزاع دلالةً: فالنهي في الإحرام لا يُنتج رتبة تعبّد، وقد عُدّ معه في النصّ نفسه القميص والعمامة والبرنس؛ والقرآن ليس فيه لفظ النقاب (total_matches 0)، والمنصوص الجلباب والخمار على الرأس والجيب؛ والنهاية نفسها تقول: «ثم أحْدثْنَ النِّقابَ بَعْدُ»، فما يقيم دعوى النقاب عبادةً نصٌّ مرفوعٌ مبين.

(استدلال، صحيح) أنّ حديث البخاري 146_1716 صار مشتركًا بين الفريقين بعد تصريح الخصم بثبوته سندًا ومتنًا: هذا وصفٌ صحيح لكلامي؛ فقد تتبّعت sanad_id 72455 في الجولة السابقة فوجدته «0 صحيح» ورجاله ثقات، وtext_vs_stored: agrees. فالخلاف في الدلالة لا في الثبوت، وهذا تحريرٌ صحيح.

(استدلال، في غير موضعه) أنّ منع النقاب في الإحرام يقتضي أنه مباحٌ أو مشروعٌ في غير الإحرام، وأنّ ذكره مع القفازين — وهما في محلّ العورة من اليدين — يدلّ على أنّ له شأنًا في التشريع: الحديث 146_1716 نفسه يعدّ مع النقاب: «لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْبَرَانِسَ... وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ». فكون المنع في الإحرام لا يُنتج رتبة تعبّدٍ في الأصل، وإلا لزم مثله في العمامة والبرنس. ودعوى أنّ القفازين «في محلّ العورة من اليدين» قولٌ منه لا نصّ فيه من الحديث.

(استدلال، في غير موضعه) أنّ القميص والعمامة والسراويل والبرانس ليست أشياء لا حكم لها، بل ضرب الشارع عليها أحكامًا، فالحديث يدلّ على أنها موضع نظرٍ شرعي لا على أنها «عادات لا سمة عبادة»: هذه مغالطة في محلّ النزاع: مجرّد كون اللباس موضع حكمٍ لا ينقل الملبوس إلى رتبة العبادة؛ فأيّ لباسٍ له حكم في الإحرام أو الصلاة لا يصير عبادةً بمجرّده، وهو نفسه لا يقول إن العمامة عبادة. فحجّته على النقاب تنقلب عليه في هذه الألبسة.

(أخرى، صحيح) أنّ الخصم زعم أنّي أسقطت من نقل لسان العرب عبارة «دون الرِّداء» وبعض الأقوال في المعنى، وأنّ نصّه في الجولة الأولى كان حرفيًّا مشتملًا عليها: النصّ حقيقةً كما نقل: «والجِلْبابُ: ثوب أَوسَعُ من الخِمار، دون الرِّداءِ، تُغَطّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها». فقد كان نقلُه في الجولة الأولى مشتملًا على «دون الرِّداء»؛ فما نُسب إليه من إسقاطٍ لهذه العبارة غير ثابت، وهذا موضع أعتذر عنه وأسجّله.

(استدلال، في غير موضعه) أنّ آيتَي الستر (33:59 و24:31) واقعهما على الرأس والجيب لا على الوجه، لكن «لا يلزم أن يكون الوجه خارجًا عن مقصود الستر»، «بل الوجه أولى ما يُحفظ»: المقصود الأول في الآية «أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ»، وأما ضمّ الوجه إلى مقتضى الستر فهو إلحاقٌ بمقتضى الحكمة ويقينِ العقل، لا بنصّ الآية؛ ودعوى أنّه «تطبيقٌ ظاهر» انتقالٌ من العامّ (الستر) إلى المعيّن (النقاب) بلا واسطة نصّ.

(معجم، صحيح) أنّ الوُصوصة والبُرقُع «وكانا من لِباس النِّساء» وكلاهما سترُ الوجه، فما أُحدث إنما هو الصورة والتسمية لا أصل ستر الوجه: النصّ في النهاية مطابق لما نقل: «وكان اسمُه عندهم: الوَصُوصَة، والبُرْقُع، وكانا من لِباس النِّساء، ثم أحْدثْنَ النِّقابَ بَعْدُ». فالاستدلال بأنّ اللباس كان من لباس النساء ثابتٌ، وهذا نصٌّ لصالح كونه عادةً قارّةً عند العرب لا شرعةً منزلة؛ وأما قوله «كلاهما ستر الوجه» ففي النهاية أن البرقع كان لا يُبدي إلا العينين، وأنّ إبداء المحاجر محدث.

(حديث، صحيح) أنّ الأثر 146_4412 و19_708 موقوفان لا يُبنى عليهما حكم، وأنّه لا يستند إليهما مستقلّين: هذا إقرارٌ صوابٌ؛ وأنا قلتُه أيضًا في الجولة الأولى، والواجهة لا تخزّن لهما حكمًا (hokm: null)، وسندهما المسمّى في النصّ لا صفّ سندٍ مخزّنًا له؛ وقد أبلغت الموقع بذلك فلم يُدرج لوجود تقريرٍ سابقٍ مفتوح.

(استدلال، في غير موضعه) أنّ الخصم أيّد قوله في النهاية أنّ القميص والعمامة لباسٌ عاديّ وأنّ القياس نفسه يلزمه: لم أقُل في كلامي إنّ القميص والعمامة عادة، بل قلتُ إنّ مجرّد ورود النهي في الإحرام لا يُنتج رتبة العبادة، وهذا لازمٌ على النقاب إذا كان دليله مجرّد ورود النهي. فإبطاله القياس على القميص إنما هو إبطالٌ لدليله لا لدليلي.

(قول عالم، صحيح) أنّه لا يُحتجّ بأثر ابن سيرين «النقاب مُحدَث» في نفي عبادة: النهاية تذكره: «وفي حديث ابن سِيرِين: النِّقابُ مُحْدَث أراد أن النِّساء ما كُنَّ يَنْتَقِبن». وهو أثرٌ عن تابعي لا يُبنى عليه حكم، وأنا لم أبن عليه، وقد ذكرتُه بعد نقل اللغة شاهِدًا لا أصلًا.

(حديث، حديث ضعيف أو مردود) أنّ ما في 184_1557 من ضعفٍ وموافقته عليه، وأنّ مداره على إبراهيم بن سعيد المدني «مجهول الحال»: تتبّعت sanad_id 139568 فوجدته «2 ضعيف»، ومداره على إبراهيم بن سعيد المدني (825): ابن حجر «مجهول الحال»، وابن عدي «ليس بمعروف، رفع حديثًا لا يتابع على رفعه»، والذهبي «منكر الحديث، غير معروف». ووافق الخصم على تضعيفه فسقط من قائمة أدلّته.

(حديث، حديث ضعيف أو مردود) أنّ 173_2930 ضعيفٌ بمداره على يزيد بن أبي زياد المضعّف عند الجمهور، وليس في أدلّته شيءٌ منه: تتبّعته في الجولتين: الواجهة «2 ضعيف» والمجموع «3 ضعيف جداً»، وقال فيه البخاري «منكر الحديث ذاهب»، والدارقطني «ضعيف يخطئ كثيرًا... وكان قد اختلط»، وابن حجر «الجمهور على تضعيف حديثه»، ويحيى بن معين «لا يحتج بحديثه». ووافق الخصم على تضعيفه، فلا حجّة فيه لواحدٍ من الفريقين.

(قرآن، صحيح) أنّ لفظ النقاب ليس في القرآن — تحقّقه هو أيضًا: بحث quran_search عن «نقاب» أخرج total_matches 0، وكذا بحث «خمر» إذ لم ترد إلا في مواضع الخمر والجِيوب. والاستدلال بأنّ المسمّى يُحكم عليه لا اللفظ — لا يزوّدنا بمسمّى النقاب المنصوص عليه في الكتاب؛ فالوجه المذكور محلّ النزاع لا يرد في نصّ من القرآن.

(حديث، لا يمكن التحقق منه) أنّ رواية «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عنه يعني النقاب» عن ابن عمر في مصنّف ابن أبي شيبة (96_17166): الحديث 146_1716 المرفوع الثابت بلفظ «وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ» هو المستند المعتمد؛ وأما هذه الرواية فهي إعادةٌ للطريق نفسه ولا تفيد زيادة، فلا يترتّب على هذا الاستشهاد أثر في المسألة.

تنبيه: الحديث 146_1716: حُكم على الراوي «عبد الله بن عمر العدوي» (4967) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 184_1557: حُكم على الراوي «عبد الله بن عمر العدوي» (4967) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 173_2930: التحليل مُعلَن «محقَّق» لكن المتحدث لم يجلب السند (hadith_sanad).السند لم يُحقَّق