الطرف الثاني، الجولة 3
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله. هذه جولتي الختامية، ولا أفتح فيها بابًا جديدًا، وإنما أجمع ما تحقق.
**أولًا: ما ثبت لصالح الطرف الآخر، وأثبته تحقيقًا لا مجاملة.**
تتبعت كل دليله في الجولات الثلاث، فوجدت الآيات كلها مطابقة لنص المصحف ومراجعها صحيحة (غافر 60، البقرة 186 و250، الأعراف 55 و180، النمل 62، آل عمران 147، الأنفال 9، المجادلة 19 و22، والإخلاص 1-4). ووجدت كل حديث أحال إليه موجودًا بلفظه، وأكثر أسانيده صحيحة كما قال: ح146_5940 (البخاري، وفيه التصريح بالسماع)، و158_614 (مسلم)، و173_3855 (ابن ماجه)، و146_6010 و146_6012 و146_5953 (البخاري)، و158_3249 و158_3248 (مسلم)، و141_713 (الأدب المفرد)، و184_1279 و158_4924 و184_4428 و133_31 (حسنة). فكل هذا ثابت، ولا أنازع في ثبوت شيء منه. **وليس النزاع في ثبوت هذه الأدلة، بل في انطباقها على المسألة.**
**ثانيًا: أدلته كلها تُثبت الجنس أو التوقيع النبوي، ولا واحدة منها تُثبت مشروعية الصيغة المؤلَّفة المخصوصة الملتزَمة.**
هذا هو بيت القصيد، وأكرّره مُبيّنًا:
- **الدعاء مشروع:** نعم، بنصوص القرآن. ولا أحد يخالف.
- **الدعاء بالنصر ثابت:** نعم؛ بح146_5940 «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اهْزِمْ الْأَحْزَابَ، اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ»، وبآيات البقرة 250 وآل عمران 147 والأنفال 9. لكن هذا **دعاء النبي ﷺ بعينه**، وهو من النوع المنصوص، لا من النوع المؤلَّف.
- **تعيين اللفظ والعدد والوقت:** نعم؛ في 146_5953 «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» وفي غيره. لكن **من عيّن؟** النبي ﷺ. فالمثال حجة على أن التعيين المأثور سنة، وهذا مذهبي.
- **الملازمة:** نعم؛ في 146_6010 «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» وفي 146_6012 «كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً». لكن هذا وصف لدوام النبي ﷺ على **عمله هو**، لا إذن لعبد بأن ينشئ صيغة ويجعلها وردًا ملتزمًا. فلست في هذه الأحاديث ضدك، بل هي في صميم قاعدتي: الدوام على المشروع مشروع، فثبت أن المعيار ورود الشرع لا مجرد الالتزام.
- **أوضح شاهد عندك هو أشدّها عليك:** حديث أبي بكرة (184_4428)، ونصّه «إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بِهِنَّ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ». أنت نفسك قلت «فهو في حكم المرفوع». فالتزام أبي بكرة إنما كان **استنانًا بفعل النبي ﷺ**، لا استحداثًا لصيغة من عند نفسه. فهذا نصر لقاعدتي لا لك.
**ثالثًا: وأما «النوع الثالث» الذي ادّعيتَه، فأدلته الثلاث لا تُنشئه.**
(١) حديث بريدة (173_3855): متنه «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» — وهذه سورة الإخلاص بنصّها. فالرجل **لم يُنشئ صيغة**، وإنما تل flَ كلام الله؛ فإقرار النبي ﷺ وقع على مضمون قرآني، ولا يصلح شاهدًا لـ«الصيغة المُنشأة». ولو كان في هذا دليل على تأليف الأوراد، لكان أوّل من يحتج به من قال بمشروعية كل ورد، وهو ظاهر البطلان.
(٢) حديث أنس (184_1279): متنه «بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ» — وكل فقراته من القرآن وأسماء الله الحسنى. فأقصى ما فيه أن النبي ﷺ أثنى على دعاء بمضمون قرآني، ولم يجعله صاحبه وردًا ملتزمًا ولا سمّاه شيئًا.
(٣) حديث ابن مسعود (158_614): «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ» — ومورده تعليم التشهد في الصلاة: «فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ...» ثم «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ». فهو إذن عام في أن يسأل العبد ربه ما شاء من جنس الدعاء **بعد التشهد**، ولا ذكر فيه لتأليف صيغة بعينها تُجعل وردًا معدودًا موقوتًا يُتعبَّد به. والإذن في الجنس لا يُثبت الحكم لفرد معيّن. وأنت نفسك سمّيته «الأصل الحاكم»، وهو دليل على الجنس لا على الفرد.
**رابعًا: وأما «الدور» الذي رميتَني به، فالمصادرة من جهتك لا من جهتي.**
قلت: «إثبات أن حزب النصر ليس على أمر الشرع هو عين الدعوى». أقول: الحكم على فرد بأنه «ليس على أمر الشرع» هو **تطبيق قاعدة ثابتة** على فرد، وليس مصادرة؛ لا مصادرة في أن يقال: «القاعدة كل ما ليس عليه أمر الشرع مردود، وهذا الفرد لم نجد عليه أمرًا من الشرع، فهو مردود». وأصرّح: أنا لا أنفي أن يكون فيه محذور بالخصوص، بل أقول إن الأصل في العبادات التوقيف، والورد المؤلَّف لا دليل على مشروعيته، فيبقى على غير المشروعية. وأما أنت فقد نسختَ في كلامك الأخير استدلالك بالضابط الذي أقررتَ بصحته (158_3249) بحجة «الدور»، ولو صحّ ما قلت لبطل الحدث في كل عبادة مبتكرة، وهذا ما لا يقوله أحد.
**خامسًا: وأما رجوعاتك فأسجّلها لك، لأنها كلها موافقة لما حققته بنفسي.**
(١) 141_713 ليس في الصحيحين، وإنما في الأدب المفرد وابن ماجه (173_3826) وأبي داود (184_1266) والترمذي (195_2914) وابن حبان (454_897) والطبراني (474_2) — وقد تتبعت هذه الطرق كلها فوجدتها بنصّها صحيحة. (٢) 158_4924 حسن لا صحيح؛ لمداره على معاوية بن صالح. (٣) 184_1279 حسن لا صحيح؛ لاختلاط خلف بن خليفة. (٤) لا ذكر للعدد «ثلاثًا» في الموطأ 19_1766، وإنما هو في شاهده 1345_81، وأول إسناد الموطأ مبهم. (٥) 1345_81 حسَن لا صحيح؛ لاختلاط جرير بن حازم وتغيّر سهيل بن أبي صالح. فهذه خمسة مواضع أقررت فيها بما حققته، ولا أبني عليها شيئًا.
**سادسًا: الإلزام الختامي.**
لا أنت ولا أنا وجدنا في قاعدة البيانات شيئًا في «حزب النصر» — أقررت بذلك صراحةً، وأنا أقرّه. فالمطالَب بالدليل على أن **هذه الصيغة بعينها** مشروعة لم يأتِ بها. وبقي عندنا: (أ) أن الدعاء المطلق المشروع مباح، و(ب) أن الورد المنصوص ثابت، و(ج) أن الالتزام بالنبوي سنة، و(د) أن الشارع قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (158_3248) و«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (158_3249). و«حزب النصر» لفظ معيّن مؤلَّف موقوت، ليس من (ب)، وليس من (أ) لأنه صار وردًا ملتزمًا يُتعبَّد به، ولم يثبت له (ج) لأن الالتزام إنما يسوغ تبعًا لمشروعية الفعل الملتزم به، ولازمه (د). فالحكم: **غير مشروع**. وإن ثبت في ألفاظه محذور بعينه كان الحكم به لا بالجنس؛ وهذا يعترف به الطرف الآخر نفسه.
وأختم بما لا يختلف فيه أهل التحقيق: أن الأصل في العبادات — ومنها الدعاء؛ لأنه عبادة بنصّ حديث النعمان بن بشير الثابت — أن يُبنى على التوقيف، لا على الرغبة والإحداث؛ وهذا مقتضى قوله ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، وهو مقتضى قوله ﷺ: «إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ». ومن رام لغير المنصوص مشروعيةً بواسطة الالتزام والتسمية، فعليه الدليل، ولا دليل. والله أعلم.
الأدلة المستشهد بها
حديث 158_3248«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»
حديث 158_3249«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»
حديث 141_713«إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ ، ثُمَّ قَرَأَ : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ سورة غافر آية 60»
حديث 146_5940«اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اهْزِمْ الْأَحْزَابَ ، اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ»
حديث 173_3855«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ , الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى , وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ "»
حديث 184_1279«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى "»
حديث 158_614«ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ»
حديث 146_5953«مَنْ قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ»
حديث 146_6010«سَدِّدُوا ، وَقَارِبُوا وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ ، وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ»
حديث 146_6012«لَا كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً ، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَطِيعُ»
حديث 184_4428«إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو بِهِنَّ ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ»
حديث 19_1766«مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ، فَإِنَّهُ لَنْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ»
حديث 173_3826«إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ , ثُمَّ قَرَأَ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ سورة غافر آية 60»
قرآن 112:1-4«قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌۢ»
معجم لسان العرب: حزب«والحِزْبُ: الوِرْدُ. ووِرْدُ الرَّجلِ من القرآن والصلاة: حِزْبُه. والحِزْبُ: ما يَجْعَلُه الرَّجل على نَفْسِهِ من قِراءةٍ وصَلاةٍ كالوِرْد»
معجم لسان العرب: حزب«الحِزْبُ: جَماعةُ الناسِ، والجمع أَحْزابٌ»
تدقيق الطرف لكلام خصمه (عمل خاص)
خلاصة تحقيقي لجولة الطرف الآخر الختامية: كل ما استشهد به موجود بنصّه وموضعه. وقد تحققت من المواضع التي أحال إليها لطريق حديث «الدعاء هو العبادة»، فوجدتها كلها بنصّها: 173_3826 (ابن ماجه)، و184_1266 (أبو داود)، و195_2914 (الترمذي وفيه قوله: «هذا حديث حسن صحيح»)، و454_897 (ابن حبان)، و474_2 (الطبراني)؛ وكلها بحكم «0 صحيح». وتحققت من أسانيد الأحاديث الجديدة التي بنى عليها: 146_6010 و146_6012 و146_5953 (ثلاثتها في البخاري متصلة ثقات)، و158_3249 (مسلم)، و158_614 (مسلم، وتتبعت طريقه الواحد الذي ذكره وهو صحيح، وفيه في المتن إشارة إلى ست طرق لم يتناولها). وتحققت من رجوعاته الخمس: فكلها موافقة لما حققته بنفسي في الجولات السابقة (خروج 141_713 من الصحيحين، وحُسن 158_4924 و184_1279، وخطأ نسبة «ثلاثًا» إلى الموطأ 19_1766، وترجيح الحسن على «0 صحيح» في 1345_81 لاختلاط جرير بن حازم وتغيّر سهيل). وأما دعواه الجوهرية في هذه الجولة — أن ثمة «نوعًا ثالثًا» من الدعاء ثابتًا، وهو أن يختار العبد صيغة فيُقرّ عليها — فأدلتها الثلاثة لا تُنشئها: فمتن 173_3855 هو سورة الإخلاص بنصّها، وليس من إنشاء الرجل؛ ومتن 184_1279 كله فقرات قرآنية وأسماء حسنى؛ و«ثم يتخير من المسألة ما شاء» وارد في سياق التشهد في الصلاة، وهو إذن في مسألة العبد ربه ما شاء من جنس الدعاء لا في اتخاذ ورد مؤلَّف ملتزم بعينه. وأما حديثا «أدومها وإن قل» و«كان عمله ديمة» فهما معي لا عليّ: الدوام على العمل المشروع محبوب، وهو فرع التوقيف لا نقضه. وأما حديث أبي بكرة الذي أقرّ به حسنًا فهو صريح في أن الالتزام كان استنانًا بفعل النبي ﷺ لا استحداثًا — وهو أشدّ أدلته موافقة لقاعدتي. ولم يأتِ أحد الطرفين بدليل على «حزب النصر» بعينه، بل أقرّ كلانا أن البحث في قاعدة البيانات لم يُرجع شيئًا، وأن ما وُجد في الويب لم يُتحقق منه. فالنتيجة: الحكم على الفرد المخصوص بغير المشروعية موافق لما ثبت من الضابط («من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» و«من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»)، ولما أقرّه الطرف الآخر نفسه من أن للدعاء نوعين مشروعين: مطلقًا غير ملتزم، ومنصوصًا بعينه؛ والورد المؤلَّف ليس من الأول ولا من الثاني.
(حديث، صحيح) أن حديث «الدعاء هو العبادة» (141_713) ليس في البخاري ولا مسلم، وإنما في الأدب المفرد وابن ماجه (173_3826) وأبي داود (184_1266) والترمذي (195_2914) وابن حبان (454_897) والطبراني (474_2): أخرجت الأحاديث المذكورة فروجع جميعها موجودًا بنصّه: 173_3826 في سنن ابن ماجه «إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ، ثُمَّ قَرَأَ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» (حكم الواجهة «0 صحيح»)، و184_1266 في سنن أبي داود عن حفص بن عمر عن شعبة عن منصور عن ذر عن يسيع عن النعمان (0 صحيح)، و195_2914 في جامع الترمذي وفيه قول أبي عيسى: «هذا حديث حسن صحيح» (0 صحيح)، و454_897 في صحيح ابن حبان (0 صحيح)، و474_2 في الدعاء للطبراني (0 صحيح). والبحث في صحيح البخاري (146) وصحيح مسلم (158) عن لفظه لم يُخرج شيئًا. فقوله صحيح في مواضعه.
(حديث، صحيح) الرجوع عن تصحيح 158_4924 إلى الحسن لعلم في معاوية بن صالح الحضرمي (7584): مطابق لقراءتي ترجمته: أبو حاتم «صالح الحديث... ولا يحتج به»، وأبو إسحاق الفزاري «ما كان بأهل أن يروى عنه»، وذكره العقيلي في الضعفاء، وابن عدي «يقع في أحاديثه إفرادات»، وابن حجر «صدوق له أوهام». فالحسن هو الصواب.
(حديث، صحيح) الرجوع في 184_1279 إلى الحسن، لاختلاط خلف بن خليفة (2734) وقول يحيى بن معين في حفص بن عبد الله (2418): مطابق لترجمة خلف بن خليفة: ابن حجر «صدوق اختلط في الآخر»، وعثمان بن أبي شيبة «خرف فاضطرب عليه حديثه»، ومحمد بن سعد «أصابه الفالج... واختلط»؛ وفي حفص بن عبد الله قال يحيى بن معين: «لا أعلم أحدًا روى عنه غير خلف بن خليفة». والراوية في 184_1279 بالعنعنة «عَنْ حَفْصٍ».
(حديث، صحيح) الرجوع عن نسبة العدد «ثلاثًا» إلى الموطأ 19_1766، وأن العدد إنما في الشاهد 1345_81، وأن أول إسناد الموطأ مبهم (1131): متن 19_1766 كما أخرجته: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ» — لا ذكر لعدد. والعدد «ثَلاثَ مَرَّاتٍ» في 1345_81. وإسناد الموطأ في متنه: «عَنْ الثِّقَةِ عِنْدَهُ» والمعرف برقم 1131 «اسم مبهم»، فالوصف بالصحة إجمالي لا تفصيلي كما قال.
(حديث، صحيح) ترجيح الحسن على «0 صحيح» في 1345_81 لاختلاط جرير بن حازم وتغيّر حفظ سهيل: مطابق لقراءتي: أحمد في جرير بن حازم «كثير الغلط»، وأبو داود «اختلط حتى حجبه ولده»، وابن حجر «له أوهام إذا حدث من حفظه»، وذكره ابن الكيال في المختلطين؛ وسهيل بن أبي صالح قال ابن حجر «صدوق تغير حفظه بأخرة»، وأبو حاتم «يكتب حديثه ولا يحتج به»، والعقيلي «فيه صويلح فيه لين». والراوية «عَنْ سُهَيْلٍ» بالعنعنة. فالترجيح سديد.
(استدلال، في غير موضعه) أن حديث 158_614 «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ» أصل حاكم يُثبت «نوعًا ثالثًا»: أن يختار العبد صيغة من الدعاء: الحديث ثابت كما قال، وتتبعت سنده (زهير بن حرب عن جرير عن منصور عن أبي وائل عن ابن مسعود، ثقات متصلون)، ولا أنازع في ثبوته. لكن مورد الحديث تعليم التشهد في الصلاة: «فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ...» ثم «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ». فهو إذن عام في مسألة العبد ربه ما شاء من جنس الدعاء، وليس فيه ذكر تأليف صيغة بعينها على هيئة ورد ملتزم يُتعبَّد به. والإذن في الجنس لا يُثبت الحكم لفرد معيّن.
(حديث، في غير موضعه) أن حديث بريدة 173_3855 فيه «إقرار النبي ﷺ صيغة دعاء صاغها العبد من عند نفسه»: متن 173_3855 كما هو في القاعدة: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» — وهذا نصّ سورة الإخلاص (112:1-4) بحروفه. فالدعاء ليس من إنشاء الرجل، بل كلام الله، فلا يصلح شاهدًا لـ«الصيغة المُنشأة»، وإنما هو شاهد على التوسل بالقرآن والاسم الأعظم.
(حديث، في غير موضعه) أن 184_1279 شاهد على «إقرار النبي ﷺ دعاءً أنشأه العبد بثناء وتوحيد»: الحديث حسن كما قال (خلف بن خليفة مختلط بالعنعنة). ومتن الدعاء: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ» — وكل فقراته من القرآن وأسماء الله الحسنى. فهذا أقصى ما فيه أنه ﷺ أقرّ دعاءً بمضمون قرآني، ولم يجعل صاحبه وردًا ملتزمًا ولا سمّاه شيئًا. فلا يثبت به تجويز تأليف ورد من غير القرآن واتخاذه عبادة.
(حديث، صحيح) أن حديثي «أدومها وإن قل» (146_6010) و«كان عمله ديمة» (146_6012) و«سبحان الله وبحمده مائة مرة» (146_5953) تُثبت أن تعيين اللفظ والعدد والوقت سنة، وأن الملازمة محبوبة: تتبعت أسانيدها: 146_6010 (الأويسي عن سليمان بن بلال عن موسى بن عقبة عن أبي سلمة عن عائشة) متصل ثقات؛ و146_6012 (عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عائشة) متصل ثقات؛ و146_5953 (عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة) متصل ثقات — وكلها في صحيح البخاري بحكم الواجهة «0 صحيح». فهذه ثلاثة ثابتة كما قال.
(حديث، صحيح) أن حديث 158_3249 «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» صحيح متصل ثقات: أخرجته وتتبعت سنده: «حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حميد جميعا، عَنْ أَبِي عَامِرٍ... عَبْدِ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ... الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ... عَائِشَةُ»، وحكم الواجهة «0 صحيح». فقوله مطابق.
(حديث، صحيح) أن حديث الأحزاب 146_5940 ثابت وأن الدعاء بالنصر مشروع به وبيقرة 250 وآل عمران 147 والأنفال 9: 146_5940 في صحيح البخاري بنصّه: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اهْزِمْ الْأَحْزَابَ، اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ»، وإسناده على شرط البخاري. والآيات مطابقة للمصحف. لكن هذا كله في أصل الدعاء بالنصر، لا في حكم الورد المؤلَّف بعينه. وهو استشهد به دون تحليل سنده كما نُبّه، وقد سبقني إلى تتبعه.
(استدلال، في غير موضعه) أن التقسيم ثنائيًا الذي بني عليه الخصم «حاصر لا دليل عليه»: التقسيم ليس حاصرًا في نفسي: فالمشروع من الدعاء يشمل المطلق والمنصوص، وكل دعاء منشأ لا يُوصف بالمنع بمجرده، وإنما المسألة أن يُتخذ الدعاء المنشأ وردًا ملتزمًا بعينه يُتعبَّد به ويُتقرَّب بتلاوته في أوقات محددة لغير نص. فالخلاف ليس في جواز الدعاء بحر الكلام الطيب بل في الالتزام والتوقيت والتسمية، وهو محلّ النزاع لا خارج عنه.
(استدلال، في غير موضعه) أن استدلاله بـ«من عمل عملًا ليس عليه أمرنا» دور لقول الخصم أنه لم يفحص الألفاظ: الحديث نفسه هو دليل تطبيق الحدّ، وكون الخصم لم يقرأ ألفاظ الصيغة لا يبطل الحكم بجهالة الموضوع. والأصل في العبادات أنه لا يُشْرَع منها إلا ما شُرِع؛ ومرجع الدعاء المشروع: المطلقُ بلا التزام — وهو الذي أُقرّ — أو المنصوصُ بعينه — وهو الذي أُمر. أما التزام صيغة بعينها على أنها وِرْد، فليست من النوع الأول ولا من الثاني، فلم تثبت مشروعيتها.
(معجم، صحيح) أن لفظ «الحزب» معناه الوِرْد، وهو معنى ثابت في الحديث النبوي: مدخل لسان العرب (lisan:حزب) فيه: «والحِزْبُ: الوِرْدُ. ووِرْدُ الرَّجلِ من القرآن والصلاة: حِزْبُه. والحِزْبُ: ما يَجْعَلُه الرَّجل على نَفْسِهِ من قِراءةٍ وصَلاةٍ كالوِرْد»، وفيه حديث «طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبي مِن القُرْآنِ»، وفيه أيضًا «الحِزْبُ: جَماعةُ الناسِ» و«حِزْبُ الرجل: أَصْحابُه وجُنْدُه الذين على رأْيِه» و«الحِزْبُ: الطَّائفةُ». فالمعنيان ثابتان، وهذا لا يقطع في المسألة بل يدل على أن اللفظ مشترك.
(أخرى، صحيح) أن «حزب النصر» غير موجود في قاعدة البيانات وأن أحدًا لم يفحص ألفاظه (total 0 في الطرفين): بحثت عن «حزب النصر» في قاعدة بيانات الأحاديث فأرجعت صفرًا نتيجة، ولا وجود لصيغته فيها. وقد أقرّ الطرف الآخر بمثل ذلك. فليس لأحد الطرفين دليل على هذا الورد بعينه من الكتاب والسنة؛ وهذا من المصلحة لي، لأنه يعني أن دعوى المشروعية على الفرد غير مسندة أصلًا.
(استدلال، في غير موضعه) أن «الالتزام قد ثبت شرعه في السنة الصحيحة» وأن دوام النبي ﷺ حجة على جواز التزام العبد: موضع الاتفاق: دوام النبي ﷺ على عمله محبوبة، وهو أصل من أصولي. وموضع الفرق: أن دوامه ﷺ كان على عمله المنصوص المشروع، فلم يزل التزامه مقرونًا بمشروعية الفعل المخبر به، وليس في الحديث إذن لعبد بأن ينشئ صيغة بعينها ويجعلها وردًا ملتزمًا. فالفرق بين «كان عمله ديمة» و«اتخذ العبد وردًا» هو الفرق بين التوقيف والإنشاء، وهذا هو جوهر المسألة.