مناظرة

تنبيه مهم

هذه المناظرة، وملخّصها، ليست أحكاماً شرعية ولا فتاوى. هي طريقة جديدة للتعمّق والتعلّم بمتابعة حوارٍ بين نماذج ذكاء اصطناعي تستدلّ وتردّ وتتحقّق من الأدلة، وقد تُخطئ هذه النماذج في النقل أو الفهم أو الترجيح. وللحكم الشرعي في مسألة تخصّك، فاسأل أهل العلم الثقات.

حكم البيع بعد نداء الجمعة (وهو محرم) من جهة صحته من عدمها

الطرف الأول: البيع بعد نداء الجمعة محرم باطل. الطرف الثاني: البيع بعد نداء الجمعة محرم صحيح.

ملخّص المناظرة

حجة كل طرف، وأقوى ما قدّمه من أدلة تحقّق منها الملخِّص بنفسه.

هذا ملخّصٌ كتبه نموذج ذكاء اصطناعي في تمرينٍ تعليمي، وليس فتوى ولا حكماً شرعياً.

الطرف الأول

البيع بعد نداء الجمعة محرم باطل

عرض الحجة

1) يدّعي هذا الطرف أنّ بيع ما بعد نداء الجمعة محرَّم بالقرآن وباطل لا ينعقد، ويبني دعواه على ستّ مقدّمات كما عرضها.

2) يستدل بآية الجمعة (62:9)، ويقول إنّ اللفظ أسند الترك إلى «البيع» نفسه لا إلى التبايع ولا إلى الشغل به، و«البيع» في لسان العرب اسم يقع على العقد من الطرفين، يستشهد على ذلك بنقل الجوهري في الصحاح؛ والنهي إذا تعلّق بذات العقد اقتضى فساده.

3) يستدل بآية (62:10) على أنّ الإذن في الابتغاء عُلق بانقضاء الصلاة، فدلّ على أنّ الشارع أراد إعدام العقد في وقت النهاء لا مجرّد تأثيم فاعله.

4) يضمّ آية (2:275) و (4:29): فما حرّمه الله في وقت ليس داخلًا في البيع الذي أحلّه، ولا هو تجارة عن تراضٍ مشروعة، لأنّ الرضا المشترط رضا لا يخالف أمر الشارع.

5) يستدل بحديثي عائشة (158_3248) و (158_3249) على أنّ كلّ عمل خالف الأمر مردود، وبيعُ وقت النداء عملٌ ليس على أمر الله، والردّ في العقود عدم ترتّب الأثر وهو البطلان.

6) استأنس بأثرين في مصنف ابن أبي شيبة: أثر مجاهد (96_5246) وأثر أهل المدينة (96_5248)، وصرّح منذ الجولة الأولى أنهما مؤيِّدان لا دليلان، ثم أسقطهما صراحةً بعد أن تبيّن أنّ الأوّل موقوف على تابعيّ وفيه شكّ سفيان وراوٍ مبهَم، والثاني مرسل من قول ميمون بن أبي شبيب.

7) رجع عن خلط وقع منه في سرد سند (158_3248) بإدخال رجلين من سند الرواية الأخرى، وأقرّ بأنّ السند الصحيح فيه هو محمد بن الصباح وعبد الله بن عون عن إبراهيم بن سعد عن أبيه سعد عن القاسم عن عائشة، وبيّن أنّ الخلل خلل نقل لا يمسّ المتن.

8) نقل نصًّا من «طرح التثريب» (962_1022) في أنّ في المسألة خلافًا وأنّ الشافعي وأحمد قالا بعدم البطلان، لكنه بيّن أنه كتاب فقه لا حديث، ولا سند له، وأنّ مورده تلقّي الركبان لا بيع الجمعة، وأنّ تطبيق قاعدته على المسألة موقوف على الشرط المتنازع فيه (أن يكون النهي خارجًا عن ذات العقد).

9) يردّ على الطرف الآخر بأنّ صرف النهي إلى مجرّد الانشغال تخصيص بلا قرينة، وأنّ دعوى «الأصل في العقود الصحة» فرع على محلّ النزاع لا دليل عليه، وأنّ نقل مذاهب الفقهاء من موقع على الويب لم يُتحقّق في قاعدة البيانات فلا يصلح دليلًا ولا معارضة، وأنّ ما استشهد به الطرف الآخر من لسان العرب في معنى الردّ يشهد — عنده — لمعنى الفسخ لا لمجرّد صرف العمل.

أقوى الأدلة

  1. قرآن62:9 «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ»

    يدعم: أصل التحريم عند هذا الطرف، ومدار استدلاله على أنّ اللفظ أسند الترك إلى «البيع» نفسه، لا إلى التبايع ولا إلى الانشغال به.

    التحقق: تحقّقتُ من اللفظ في المصحف فوجدتُه مطابقًا في موضعه 62:9، لا زيادة فيه ولا نقص ولا تحريف.

  2. قرآن62:10 «فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»

    يدعم: يستدلّ به على أنّ الإذن في الابتغاء مُعلَّق بانقضاء الصلاة، وأنّ هذا يدلّ عنده على إعدام العقد في وقت المنع لا على مجرّد تأثيم فاعله.

    التحقق: تحقّقتُ من اللفظ فوجدتُه مطابقًا في موضعه 62:10 كاملًا.

  3. قرآن2:275 «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا»

    يدعم: يستدلّ به على أنّ ما حرّمه الله في وقت ليس داخلًا في البيع الذي أحلّه، فيكون البيع المنهيّ عنه مأخوذًا من عموم الإحلال.

    التحقق: تحقّقتُ من اللفظ فوجدتُه مطابقًا في موضعه 2:275 من داخل الآية بتمامها.

  4. قرآن4:29 «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ»

    يدعم: يضمّه إلى آية الإحلال ليقرّر أنّ الرضا المشترط في التجارة رضا لا يخالف أمر الشارع، فما وقع في وقت النهي ليس تجارة عن تراضٍ مشروعة.

    التحقق: تحقّقتُ من اللفظ فوجدتُه مطابقًا في موضعه 4:29، والاقتباس مأخوذ من صدر الآية دون تحريف معناه.

  5. حديث158_3248 «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»

    يدعم: القاعدة التي يبني عليها الطرف نتيجة البطلان: أنّ كلّ عمل خالف أمر الشرع مردود، وبيعُ وقت النداء عملٌ ليس على أمر الله، والردّ في العقود عنده عدم ترتّب الأثر.

    التحقق: تتبّعتُ سنده فوجدته متّصلًا: محمد بن الصباح الدولابي وعبد الله بن عون الهلالي عن إبراهيم بن سعد عن أبيه سعد بن إبراهيم عن القاسم بن محمد عن عائشة، وكلّهم موثّقون: قال أحمد في إبراهيم «ثقة، أحاديثه مستقيمة» وابن حجر «ثقة حجة»، وقال أحمد في سعد «ثقة» وابن معين «ثقة لا يشك فيه وهو ثبت»، والقاسم أفضل أهل زمانه وأعلم الناس بحديث عائشة. لا انقطاع ولا شذوذ ولا علّة ظاهرة، والحديث في صحيح مسلم.

  6. حديث158_3249 «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»

    يدعم: يستدلّ الطرف بعموم لفظه في «العمل» على أنّ البيع المنهيّ عنه داخل في الردّ، ويستدلّ بمورده — وهو سؤال القاسم عن وصية بمساكن — على أنّ اللفظ مستعمل في المعاملات لا في العبادات فقط.

    التحقق: تتبّعتُ سنده فوجدته متّصلًا: إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد عن عبد الملك بن عمرو القيسي عن عبد الله بن جعفر الزهري عن سعد بن إبراهيم عن القاسم عن عائشة. وكلّهم موثّقون: قال النسائي في العقدي «ثقة مأمون»، وقال البخاري في الزهري «صدوق ثقة» وأحمد «ثقة ثقة»، وقول ابن حبان فيه «كثير الوهم» لم يعارضه أحد من هؤلاء. ولا انقطاع ولا علّة قادحة.

الطرف الثاني

البيع بعد نداء الجمعة محرم صحيح

عرض الحجة

1) يقبل هذا الطرف مقدّمة التحريم وينازع في نتيجتها: فالبيع بعد نداء الجمعة عنده حرام على فاعله لكنه صحيح نافذ، والأثم لا يستلزم انحلال العقد.

2) يقرّ بأنّ الآيات (62:9) و (62:10) و (2:275) و (4:29) ثابتة في مواضعها، ويقول إنّها تدلّ على التحريم لكنّها لا تنصّ على حكم العقد الواقع بعد المنع: لا بلفظ بطلان ولا بما يلزم عنه، ولو أريد إعدام العقد لكان في النصّ بيان ما يجب على المتعاقدين.

3) يقرّ بصحّة حديثي عائشة (158_3248) و (158_3249) ويحتجّ بهما، لكنه يقول إنّ «الردّ» فيهما واقع على العمل المخالف للأمر، وليس نصًّا في أنّ كلّ معاملة حُرّمت لعارض وقتي تنفسخ، وإلا لزم إبطال كلّ بيع حُرّم لعارض.

4) يقرّر أنّ نهي النداء راجع إلى أمر خارج عن ذات العقد، هو ترك انصراف المكلَّف إلى البيع عن السعي إلى الذكر، وأنّ المقصود إخلاء الوقت لا إهدار المال؛ ويجمع بين «وَذَرُوا الْبَيْعَ» و «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» بأنّ العقد فرد من العام الذي أحلّه الله، حُرّم على المكلَّف لعارض وقتي.

5) يستدلّ من لسان العرب على أنّ «الردّ» صرف الشيء ورجعه، وأنّ قوله «وهما يتَرادَّان البيعَ: من الرد والفسخ» وصف فعل العاقدين المتبادل عند التقايل، لا حكمٌ بأنّ مجرّد النهي يفسخ العقد من تلقاء نفسه؛ ويطعن على نسبة «الإبطال» إلى المعجم على الإطلاق.

6) يستشهد بنقل من «طرح التثريب» (962_1022) على أنّ مسألة «هل يقتضي النهي الفساد» خلاف قديم، وأنّ الشافعي وأحمد قالا بعدم البطلان لأنّ النهي لا يرجع إلى نفس العقد؛ ويقرّ بأنّ الكتاب كتاب فقه لا حديث، وأنّ سياق المسألة فيه تلقّي الركبان لا بيع الجمعة، فهو استشهاد على وجود القاعدة لا دليل نصّي.

7) يسقط أثرَي ابن أبي شيبة (96_5246 و96_5248) لكون الأوّل موقوفًا ضعيفًا بمبهم وشكّ والثاني مرسلًا، ويقول إنّ لفظهما تحريم لا بطلان.

8) يقرّر أنّ الأصل في العقود الصحة حتى يقوم دليل الفساد، وأنّ دعوى الفساد تحتاج قرينة تصرف النهي إلى ذات العقد، وأنّ إسناد الترك إلى «البيع» لا ينقل اللفظ إلى الحكم ببطلان العقد.

9) نقل عن موقع إسلام ويب اختلاف المذاهب في المسألة (صحةً مع الحرمة عند الحنفية والشافعية، وفسادًا عند المالكية، وعدم صحة عند الحنابلة)، وهو نفسه يوسم هذا النقل بأنه من الويب لم يُتحقّق في قاعدة البيانات.

10) يسلم في الجولة الثانية بأنّ تخصيصه «الردّ» بالإحداث في العبادات لا يصحّ، لأنّ مورد رواية مسلم في مسألة وصية، ويصرّح بأنه لا يعود إليه.

أقوى الأدلة

  1. قرآن62:9 «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ»

    يدعم: يعتمد عليه هذا الطرف بوصفه نصّ التحريم المتّفق عليه، ويقول إنّ اللفظ يقف عند الأمر بترك البيع والانصراف إلى السعي ولا ينصّ على حكم العقد بعد وقوعه.

    التحقق: تحقّقتُ من اللفظ في المصحف فوجدتُه مطابقًا في موضعه 62:9 لا زيادة ولا نقص ولا تحريف.

  2. قرآن62:10 «فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»

    يدعم: يستدلّ به على أنّ الحكم ينقضي بانقضاء الصلاة، وأنّ الآية لا تذكر حكم العقود الواقعة قبل الصلاة ولا ما يجب على المتعاقدين، فلا دلالة فيها على البطلان.

    التحقق: تحقّقتُ من اللفظ فوجدتُه مطابقًا في موضعه 62:10 كاملًا.

  3. قرآن2:275 «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا»

    يدعم: عمدة الطرف في جهة الصحة: إحلال عامّ للبيع يشمل العقد الذي اجتمعت فيه أركانه، وليس في النصّ ما يخرج فردًا منه لعارض وقتي.

    التحقق: تحقّقتُ من اللفظ فوجدتُه مطابقًا في موضعه 2:275 من داخل الآية بتمامها.

  4. حديث158_3248 «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»

    يدعم: يحتجّ به هذا الطرف على أنّ الردّ في الحديث واقع على العمل المخالف للأمر، وأنّ اللفظ لا ينصّ على أنّ المعاملة المحرّمة لعارض تنحلّ آثارها.

    التحقق: تتبّعتُ سنده فوجدته متّصلًا: محمد بن الصباح الدولابي وعبد الله بن عون الهلالي عن إبراهيم بن سعد عن أبيه سعد بن إبراهيم عن القاسم بن محمد عن عائشة، وكلّهم موثّقون عند النقّاد (أحمد وابن معين وابن حجر وغيرهم)، ولا انقطاع ولا شذوذ ولا علّة قادحة، والحديث في صحيح مسلم.

  5. حديث158_3249 «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»

    يدعم: يقبل الطرف صحّته ويرى مورده في الوصية دليلًا على أنّ اللفظ عامّ في المعاملات، ويستند إليه في أنّ عمومه في العمل المخالف لا في انحلال العقد.

    التحقق: تتبّعتُ سنده فوجدته متّصلًا: إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد عن عبد الملك بن عمرو القيسي عن عبد الله بن جعفر الزهري عن سعد بن إبراهيم عن القاسم عن عائشة، وكلّهم موثّقون (النسائي: ثقة مأمون في العقدي، والبخاري وأحمد والترمذي في الزهري)، وقول ابن حبان فيه «كثير الوهم» لم يوافقه عليه أحد من المتقدّمين، فلا علّة قادحة.

نصّ المناظرة كاملاً

الطرف الأول، الجولة 1

الحمد لله. أقدّم دعوى طرفي: البيعُ الواقع بعد نداء الجمعة محرَّمٌ باطلٌ لا ينعقد. وأبنيها على ما تحقّقتُ منه في هذه الجلسة، مع تمييز ما هو دليلٌ مما هو مؤيِّد فقط.

(1) تحريمُ البيعِ نفسِه بنصّ القرآن. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (الجمعة: 9). وقد تحقّقتُ من مطابقة النصّ لموضعه. ووجهُ الدلالة: أنّ المولى سبحانه لم يقل ذروا التبايع أو ذروا الشغل بالبيع، بل جعل المتروكَ هو البيع نفسَه؛ وهذا الاسم في لسان العرب يقع على العقد من الطرفين جميعًا، قال الجوهري في الصحاح: بِعْتُ الشيءَ: شَرَيْتُهُ... وبِعْتُهُ أيضًا: اشتريته، وهو من الأضداد... ويقال للبائع والمشتري: البَيِّعانِ. فالمأمورُ بتركه عقدُ البيع، لا مجرّد الانشغال به؛ والنهيُ في المعاملات إذا تعلّق بنفس العقد اقتضى فسادَه.

(2) أنّ الترك المأمور به في الآية تركُ إيقاعٍ لا تركُ حضور. قال سبحانه عَقِبَها: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ (الجمعة: 10). فجعل الإذنَ في الابتغاء مُعلَّقًا بانقضاء الصلاة؛ ولو كان الممنوعُ مجرّدَ الاستغراق به لكان الإذنُ بعد الصلاة بيانًا لوقتٍ لا لصحّة عقد. فلمّا أفرد الله البيعَ بالنفي في وقتٍ وأباحه في وقت، دلّ على أنّ الشارع أراد إعدام هذا العقد في هذا الوقت، لا مجرّد تأثيم فاعله.

(3) أنّه لا بيعَ محلَّلٌ إلا ما أحلّه الله. قال تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (البقرة: 275)، وقال: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ (النساء: 29). فما حرّمه الله في وقتٍ فليس داخلًا في البيع الذي أحلّه، ولا هو تجارةً عن تراضٍ مشروعةً؛ لأنّ الرضا المشترَط رضا لا يخالف أمر الشارع.

(4) الأصل النبوي في ردّ كل عمل خالف الأمر. أخرج مسلم في صحيحه حديث عائشة رضي الله عنها: مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ (158-3248)، وفي الرواية الأخرى: مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ (158-3249)، وهي عند أحمد أيضًا (121-25734). وقد تتبّعتُ سند هذا الحديث بنفسي من نصّه: عائشة ← القاسم بن محمد ← سعد بن إبراهيم ← عبد الله بن جعفر الزهري ← عبد الملك بن عمرو العقدي ← إبراهيم بن سعد، وكلُّ رجلٍ من رجاله ثقةٌ ثبت، فروايته محفوظة، وقد وافق متنه أصحَّ الكتب. ووجه الاستدلال: أنّ الآية جعلت لله في هذا الوقت أمرًا هو ترك البيع؛ فمن أوقع البيعَ فيه فقد عمل عملًا ليس عليه أمرُ الله، فحكمُه أن يكون ردًّا؛ والردُّ في العقود هو عدمُ ترتّب الأثر، وهو البطلان.

(5) مؤيِّدات من آثار السلف، وهي مؤيِّدة لا أدلّة. أخرج ابن أبي شيبة (96-5246) عن مجاهد: مَنْ بَاعَ شَيْئًا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ نَهَى عَنِ الْبَيْعِ إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. وهذا في متنه تصريحٌ بالردّ، لكنّه قولُ مجاهد التابعي لا حديثٌ مرفوع، وسندُه غيرُ خالٍ من مقال، فيُستشهد به ولا يُحتجّ. وأخرج أيضًا (96-5248): كَانَ بِالْمَدِينَةِ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُنَادُونَ فِي الْأَسْوَاقِ: حَرُمَ الْبَيْعُ حَرُمَ الْبَيْعُ؛ وهو عملُ أهل المدينة بلغة التحريم، ومتنُه مرسلٌ، فهو مؤيِّد أيضًا.

(6) وأمّا الطرف الآخر فمدارُه على أنّ النهيَ راجعٌ إلى أمرٍ خارجٍ عن العقد فلا يقتضي فسادَه. وهذا هو موضع النزاع، وأنا أقول: النهي هنا تعلّق بنفس البيع لا بمعنى خارج، والدليل ما في الآية من إفراد البيع بالنفي ثم الإذن فيه بعد الصلاة. ومن رام إبطال هذا فليأتِ بقرينةٍ من الكتاب أو السنّة تصرف النهيَ عن العقد إلى غيره؛ وأمّا مجرّدُ الاحتمال فلا يُعارض صريحَ النصّ.

فهذه ستُّ مقدّمات: أوّلها وثانيها وثالثها قرآنٌ محقَّق، ورابعها حديثٌ صحيح متّصل تتبّعتُه، وخامسها مؤيِّدات مقصورة على الاستشهاد، وسادسها مناقشةُ دليل الخصم. والحاصل: أنّ البيع بعد النداء محرَّمٌ بنصّ القرآن، وباطلٌ بما قرّره النبيّ ﷺ من أنّ العمل المخالف للأمر ردٌّ، وبما استقرّ من أنّ النهي المتعلّق بذات العقد يقتضي فساده.

الأدلة المستشهد بها

قرآن 62:9«يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ»

قرآن 62:10«فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»

قرآن 2:275«وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟»

قرآن 4:29«يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ»

حديث 158_3248«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»

حديث 158_3249«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»

حديث 96_5246«مَنْ بَاعَ شَيْئًا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ ؛ لأَنَّ اللَّهَ نَهَى عَنِ الْبَيْعِ إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ»

حديث 96_5248«كَانَ بِالْمَدِينَةِ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُنَادُونَ فِي الْأَسْوَاقِ : حَرُمَ الْبَيْعُ حَرُمَ الْبَيْعُ»

معجم الصحاح: بيع«بِعْتُ الشيءَ : شَرَيْتُهُ ، أَبيعُهُ بَيْعًا ومبيعًا ... وبعْتُهُ أيضًا : اشتريته ، وهو من الأضداد ... ويقال للبائع والمشتري : البَيِّعانِ»

معجم لسان العرب: وذر«ابن السكيت : يقال ذَرْ ذا ، ودَعْ ذا ... وأَما في الغابر فيقال يَذَرُه ويَدَعُه»

الطرف الثاني، الجولة 1

الحمد لله. أبدأ بتقرير مقصدي: أنا أُسلّم بمقدّمة التحريم، وأنازع في نتيجة البطلان؛ فالمنازعة في لزوم أحد الأمرين من الآخر، لا في ثبوت النصّ.

(1) أُسلّم أنّ الآيات الأربع التي ساقها الخصم ثابتة نصًّا في مواضعها: آية الجمعة 62:9 و62:10، وآية البقرة 2:275، وآية النساء 4:29، وقد تحقّقتُ منها بأداة التحقق فكانت مطابقة لمواضعها. وأُسلّم كذلك أنّ الآيتين الأولى والثانية تدلّان على تحريم البيع في وقت النداء؛ فهذا موضع اتفاق، ولا أُطيل فيه. لكنّ التحريم شيء والفساد شيء آخر، وليس في شيء من هذه الآيات حكمٌ على العقد الواقع بعد المنع: لا بلفظ «باطل» ولا بلفظ «لا ينعقد» ولا بما يلزم عنه؛ وإنما فيها الأمر بترك البيع عند النداء، والإذن بالانتشار والابتغاء بعد انقضاء الصلاة. ولو كان المراد إعدام العقد لكان في الآية أو في السنّة بيانُ ما يجب على المتعاقدين، ولم يكن ذلك.

(2) وأخطر ما في كلام الخصم أنه بنى نتيجة البطلان على حديث عائشة رضي الله عنها: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (صحيح مسلم 158_3248) و«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (158_3249)، وأنا لا أُنازع في ثبوتهما: رجعتُ إلى الروايتين، وحكم الواجهة على كلٍّ منهما «0 صحيح»، وتتبّعتُ سندهما فوجدتهما ثابتين متّصلين، رجالهما ثقات (وفي التحليل المرفق بيانه). فأنا أعمل بهما وأحتجّ بهما، ولا أُضعّفهما. لكن هذا الحديث ليس نصًّا في المطلوب: «الردّ» فيه واقع على «العمل الذي ليس عليه أمرنا»، وهو في أصل وروده في «الإحداث في الدين» وما لا شرع له من العبادات؛ وليس فيه نصّ على أنّ كل معاملة حرّمت لعارض وقتي تكون منفسخة الأثر، ولو كان لكان اللازم إبطال كل بيع حُرّم لعارض من غصبٍ أو جهالةٍ أو غرر، والمقرَّر عند أهل العلم في كثير منه خلاف ذلك. فتنزيل الخصم «الردّ» على «عدم ترتّب أثر العقد» تنزيلٌ منه على موضع النزاع نفسه، وهذا هو إبطالُ الدليل بالمدّعى.

(3) وفي دعوى الخصم أنه «تتبّع سند هذا الحديث بنفسه» خلطٌ ظاهر بيّنتُه في التحليل: فمتن 158_3248 في صحيح مسلم إنما يسمّي محمد بن الصباح (6846) وعبد الله بن عون الهلالي (4996) عن إبراهيم بن سعد (823) عن أبيه سعد بن إبراهيم (3236) عن القاسم (1598) عن عائشة (4049). وليس في سند 3248 ذكرٌ لـ«عبد الله بن جعفر الزهري» ولا لـ«عبد الملك بن عمرو العقدي»، وهما من سند 158_3249؛ ومع ذلك ساقهما الخصم في سند 3248، وجعل إبراهيم بن سعد آخر السند وهو في أعلاه. فهذه أمانةُ النقل نفسها فيها خلل، وإن كان الحديث صحيحًا في نفسه. على أنّ الخلل في سرد السند لا يُسقط الحديث، فأُثبتُ التصحيح وأدّعي الخلل في الاستدلال.

(4) وأثرا ابن أبي شيبة اللذان ذكرهما (96_5246 عن مجاهد، و96_5248 عن ميمون بن أبي شبيب) لا ينهضان بشيء: الأول موقوفٌ على مجاهد، وفي سنده شكّ سفيان بن عيينة («عن مجاهد أو غيره») وراوٍ مبهَم «عبد الكريم» يحتمل أن يكون متروك الحديث (عبد الكريم بن أبي المخارق، 4606)؛ والثاني مرسلٌ منقطع، لأن ميمون بن أبي شبيب (ت83) لم يدرك عهد النبوة، وروايته عن الصحابة منقطعة بنصّ نقّاد التحقيق. وقد اعترف الخصم بأنهما مؤيِّدان لا دليلان، فأنا أُقرّه على ذلك، وأزيد: الأثر الموقوف والمرسل لا يقوم بهما دليل، فسقط منهما ما أراد توثيقه به.

(5) وبقيت النتيجة: أنّ النهي في آية الجمعة متعلّقٌ بأمرٍ خارجٍ عن ذات العقد، وهو ترك اشتغال المكلَّف بالبيع عن السعي إلى الذكر؛ فالمقصود إخلاء الوقت لاستماع الخطبة والصلاة، لا إهدار المال وإبطال ما تراضى عليه العاقدان وأوقعا أركانه. وهذا هو وجه الجمع بين النصّين: «وَذَرُوا الْبَيْعَ» أمرٌ بترك الانشغال، «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» إحلالٌ عامٌّ للعقد الذي اجتمعت فيه أركانه وشروطه؛ فالفرد الواقع في وقت النداء فردٌ من هذا العام أحلّه الله، حُرّم على المكلَّف لعارض وقتي لا لمفسدٍ في ذاته، فيأثم فاعله ولا يبطل عقده. وهذا معنى قولي: محرَّم صحيح.

(6) وأمّا ما ذكره من أثر أهل المدينة بلفظ «حرم البيع» فليس فيه إلا لفظ التحريم، وليس فيه «بطل»، فتركُ الحكم بالبطلان موافقٌ للفظ الأثر لا مخالف.

(7) وأُنبّه أدبيًّا: أنّ الخصم كلّف من يبطل أن يأتي بقرينة من الكتاب والسنّة تصرف النهي عن العقد؛ فأقول: الواجب أن يأتي مَن يدّعي الفساد بقرينة تصرفه إلى ذات العقد، وبعدمها يبقى النهي على ظاهره في الانشغال، فالأصل في العقود الصحة حتى يقوم دليل الفساد. وما في النصّ من إباحة الابتغاء بعد الصلاة وإحلال البيع عامًّا يرجّح الصحة ويشهد للأصل. وأمّا قواعد المذاهب في المسألة فقد اطّلعتُ على نقلها من غير قاعدة البيانات: ذكر موقع إسلام ويب (islamweb.net) أن الحنفية قالوا: البيع صحيح مكرّمٌ تحريمًا؛ وقال الشافعية: صحيح حرام؛ وقال المالكية: فاسدٌ يفسخ على المشهور؛ وقال الحنابلة: لا يصح؛ وهذا كله «من الويب، لم يُتحقق منه في قاعدة البيانات». وبه يظهر أن دعوى الإبطال ليست موضع اتفاق، وهي أولى بالتمسّك بالدليل لا بالتشهّي.

الأدلة المستشهد بها

قرآن 62:9«يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ»

قرآن 62:10«فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»

قرآن 2:275«وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟»

قرآن 4:29«يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ»

حديث 158_3248«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»

حديث 158_3249«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»

حديث 96_5246«مَنْ بَاعَ شَيْئًا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ ؛ لأَنَّ اللَّهَ نَهَى عَنِ الْبَيْعِ إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ»

حديث 96_5248«كَانَ بِالْمَدِينَةِ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُنَادُونَ فِي الْأَسْوَاقِ : حَرُمَ الْبَيْعُ حَرُمَ الْبَيْعُ»

تدقيق الطرف لكلام خصمه (عمل خاص)

الآيات الأربع (62:9، 62:10، 2:275، 4:29) كلها محقَّقة مطابقة لمواضعها، والنقلان المعجميان (sihah:بيع، lisan:وذر) موجودان بلفظهما؛ لكنّ كلّ هذه النقول إنما تُثبت التحريم أو دلالة اللفظ، ولا تُثبت بطلان العقد، وهو المتناوزع. وحديثا عائشة (158_3248 و158_3249) صحيحان ثابتان عند مسلم، وقد تتبّعتُ سندهما بنفسي ووافقني حكم الواجهة («0 صحيح»)، لكنّهما تقريران لحكم العمل المخالف، لا نصّ على فساد المعاملة. وقد وقع البيان في خطأ في دعوى تتبّعه سند 158_3248: فهو ساق «عبد الله بن جعفر الزهري» و«عبد الملك بن عمرو» ضمن سنده، وهما من سند 158_3249، وأخّر إبراهيم بن سعد إلى أسفل السند؛ ومتن 158_3248 يسمّي محمد بن الصباح وعبد الله بن عون عن إبراهيم بن سعد عن أبيه سعد عن القاسم عن عائشة. وأثرا ابن أبي شيبة (96_5246، 96_5248) موجودان بلفظهما، وهما مقطوع ومرسل فلا يُحتجّ بهما، والبيان نفسه لم يجعلهما من أصوله. فالبيان أمانة في نقل الأثر والمرسل، لكنّ مدار دعواه على قراءةٍ أصولية (اقتضاء النهي فساد العقد، وتنزيل «الردّ» على بطلان المعاملة) لا يُسنِدها النصّ المحقَّق، وهي بالتحديد موضع النزاع.

(قرآن، صحيح) قول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ» منسوبًا إلى الجمعة:9: تحقّقتُ من الآية بأداة التحقق: النتيجة match_at_claimed_ref، الموضع 62:9، فالنص مطابق لموضعه لا زيادة ولا نقص.

(استدلال، في غير موضعه) دعوى أنّ «المتروك» في الآية هو البيع نفسه لا الانشغال به، وأنّ النهي إذا تعلّق بنفس العقد اقتضى فسادَه: الآية ثابتة نصًّا، لكنها بمجموعها إنما تدلّ على الأمر بترك البيع في وقت النداء، أي على التحريم، وليس فيها حكم على صحة العقد بعد وقوعه. وأمّا القاعدة المذكورة (أن النهي المتعلّق بذات العقد يقتضي فساده) فدعوى أصولية لم تُسنَد إلى نصّ ولا إلى قول محقَّق في هذا البيان، وهي موضع النزاع نفسه، فلا يصحّ الاستدلال بها لإثبات المتنازع.

(قرآن، صحيح) قول الله تعالى: «فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ» منسوبًا إلى الجمعة:10: أداة التحقق: match_at_claimed_ref، الموضع 62:10؛ النص مطابق لموضعه.

(استدلال، في غير موضعه) الاستدلال بالجمعة:10 على أنّ الممنوع إعدامُ العقد لا مجرّد الاستغراق فيه: الآية تدلّ على انتهاء الحكم بانقضاء الصلاة (إباحة الابتغاء بعدها)، ولا تدلّ على حكم عقد وقع في المنع؛ فجعل الإذن بعد الصلاة دليلًا على إعدام العقد المتقدّم استنتاج لا يقتضيه النصّ.

(قرآن، صحيح) قول الله تعالى: «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا» منسوبًا إلى البقرة:275: أداة التحقق: match_at_claimed_ref، الموضع 2:275؛ النص مطابق.

(قرآن، صحيح) قول الله تعالى: «لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ» منسوبًا إلى النساء:29: أداة التحقق: match_at_claimed_ref، الموضع 4:29؛ النص مطابق.

(استدلال، لا يمكن التحقق منه) الاستدلال بالبقرة:275 والنساء:29 على أنّ البيع المنهيّ عنه في وقت النداء خارج عن «البيع الذي أحلّه الله» وليس «تجارة عن تراضٍ»: الآيتان ثابتتان نصًّا، لكنّ خروج فردٍ من عموم «أحلّ الله البيع» بحكم التحريم الوقتي، وكون الرضا الواقع معصيةً غير كافٍ في صحة العقد، دعاوى فقهية لا يقرّرها لفظ الآيتين، ولم يأتِ البيان بشاهد محقَّق عليها.

(حديث، صحيح) حديث عائشة: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» في صحيح مسلم (158_3248) وفي أحمد (121_25734): استخرجتُ 158_3248 فوجدتُ متنه مطابقًا، وحكم الواجهة «0 صحيح»، ومتنه: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». و121_25734 موجود ومتنه مطابق وحكمه «0 صحيح». والحديث صحيح ثابت، إلا أنّ البيان أخطأ في سرد سنده كما هو مبيّن في موضعه.

(أخرى، معزوّ خطأً) سرد البيان لسند 158_3248: «عائشة ← القاسم ← سعد بن إبراهيم ← عبد الله بن جعفر الزهري ← عبد الملك بن عمرو العقدي ← إبراهيم بن سعد»: متن 158_3248 نفسه يسمّي: محمد بن الصباح (6846) وعبد الله بن عون الهلالي (4996) عن إبراهيم بن سعد (823) عن أبيه سعد بن إبراهيم (3236) عن القاسم (1598) عن عائشة (4049). فليس في سنده «عبد الله بن جعفر الزهري» ولا «عبد الملك بن عمرو العقدي»؛ وهما من سند 158_3249 لا 3248، ومع ذلك أدرجهما البيان في سند 158_3248 ورتّب إبراهيم بن سعد آخرًا، وهو في أعلى السند. فهذا خلطٌ بين سندَي الحديثين في دعوى التتبع.

(حديث، صحيح) حديث عائشة: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» في صحيح مسلم (158_3249): استخرجتُ 158_3249 فوجدتُ متنه مطابقًا، وحكم الواجهة «0 صحيح»، وسنده: إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد عن عبد الملك بن عمرو عن عبد الله بن جعفر الزهري عن سعد بن إبراهيم عن القاسم عن عائشة. والحديث ثابت صحيح، لكن البيان استشهد به دون تحليل سنده كما نُبّه.

(حديث، صحيح) أثر مجاهد في مصنف ابن أبي شيبة (96_5246): «مَنْ بَاعَ شَيْئًا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ...»: استخرجتُ 96_5246 فوجدتُ المتن مطابقًا، وحكم الواجهة «غير محدد» (لا صفّ سند). والحديث في متنه قول مجاهد التابعي لا مرفوعًا، وفي سنده شكّ سفيان («عن مجاهد أو غيره»)، وفيه راوٍ مبهَم «عبد الكريم» غير معيَّن، فالبيان محقٌّ في أنه استشهادٌ لا احتجاج، وهو أثر مقطوع لا يُبنى عليه.

(حديث، صحيح) أثر المدينة في مصنف ابن أبي شيبة (96_5248): «كَانَ بِالْمَدِينَةِ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُنَادُونَ فِي الْأَسْوَاقِ: حَرُمَ الْبَيْعُ حَرُمَ الْبَيْعُ»: استخرجتُ 96_5248 فوجدتُ المتن مطابقًا، وحكم الواجهة «غير محدد». وهو قول ميمون بن أبي شبيب (ت83)، تابعيّ لم يدرك عهد النبوة (روايته عن الصحابة منقطعة)، فهو حكاية حالٍ مرسلة لا نصّ نبويّ، والبيان محقٌّ في اعتباره مؤيِّدًا لا دليلًا.

(معجم، صحيح) قول الجوهري في الصحاح (sihah:بيع): «بِعْتُ الشيءَ: شَرَيْتُهُ... وبعْتُهُ أيضًا: اشتريته، وهو من الأضداد... ويقال للبائع والمشتري: البَيِّعانِ»: النص موجود في الصحاح (الجوهري) تحت «بيع» بهذا اللفظ. ودلالته أن اسم البيع يقع على العقد، وهذا لا يُنازع فيه، لكن المعجم لا يحكم بصحّة العقد ولا بفساده، فليس فيه دليل على المتنازع.

(معجم، صحيح) قول ابن السكيت في لسان العرب (lisan:وذر): «يقال ذَرْ ذا، ودَعْ ذا... وأما في الغابر فيقال يَذَرُه ويَدَعُه»: النص موجود في لسان العرب (ابن منظور) تحت «وذر» بهذا اللفظ، وفي القاموس والصحاح والتهذيب والنهاية ما يوافقه. ولا أثر له في إثبات البطلان.

(استدلال، في غير موضعه) الاستدلال بحديث «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» على بطلان العقد الواقع بعد النداء: الحديث ثابت صحيح، لكن «الردّ» فيه واقع على العمل المخالف للأمر، وتنزيله على عقدٍ محرَّم لوقتٍ معيّن بأنه معدوم الأثر هو دعوى الخصم نفسها؛ فالحديث يقرّر حكم المخالفة ولا ينصّ على فساد المعاملة، والاستدلال به على البطلان توسُّع.

تنبيه: الحديث 158_3248: حُكم على الراوي «محمد بن الصباح الدولابي» (6846) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 158_3248: حُكم على الراوي «عبد الله بن عون الهلالي» (4996) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 158_3248: حُكم على الراوي «إبراهيم بن سعد الزهري» (823) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 158_3248: حُكم على الراوي «عائشة بنت أبي بكر» (4049) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 158_3249: حُكم على الراوي «إسحاق بن راهويه المروزي» (927) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 158_3249: حُكم على الراوي «عبد بن حميد الكشي» (4232) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 158_3249: حُكم على الراوي «عائشة بنت أبي بكر» (4049) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 96_5246: حُكم على الراوي «عبد الكريم (مبهَم غير معيَّن)» (4606 أو 4612) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص

الطرف الأول، الجولة 2

الحمد لله. أُقدّم ردّي في نقاط.

(1) أُسلّم أولًا بما نبّه عليه الخصم ولا أُدافع عنه: أنّني في سردي الأوّل جعلتُ «عبد الله بن جعفر الزهري» و«عبد الملك بن عمرو العقدي» في سند 158_3248، وأنّهما من سند 158_3249، وأنّ سند 3248 إنما هو: محمد بن الصباح وعبد الله بن عون الهلالي عن إبراهيم بن سعد عن أبيه سعد بن إبراهيم عن القاسم عن عائشة. وقد رجعتُ إلى hadith_sanad فتأكّد لي ذلك: سند 158_3248 نصُّه يسمّي (6846 محمد بن الصباح) و(4996 عبد الله بن عون) و(823 إبراهيم بن سعد) و(3236 سعد بن إبراهيم) و(1598 القاسم) و(4049 عائشة)؛ وسند 158_3249 يسمّي (927 إسحاق بن راهويه) و(4232 عبد بن حميد) و(5231 عبد الملك بن عمرو) و(4763 عبد الله بن جعفر الزهري) ثم الباقي. فالخلل في صياغة السند منّي، وهو خللُ نقلٍ لا يمسّ متن الحديث، ولا أُصرّ عليه.

(2) وأُسلّم ثانيًا أنّ أثرَي ابن أبي شيبة (96_5246 عن مجاهد، و96_5248 عن ميمون) لا ينهضان دليلًا: فالأوّل موقوفٌ على تابعيٍّ، وفي سنده شكُّ سفيان («عن مجاهد أو غيره») وراوٍ مبهَم «عبد الكريم» بين متروكٍ (4606) وثقةٍ (4612) بلا قرينةٍ تعيّن؛ والثاني مرسلٌ، لأنّ ميمون بن أبي شبيب (7815) تابعيٌّ صغير الطبقة (ت83) لم يدرك عهد النبوة. وقد كنتُ صرّحتُ في الجولة الأولى أنهما مؤيِّدان لا دليلان، ولفظ الأثر «حرم البيع» لا «بطل» كما قال؛ فسقط منهما ما رام الخصم إسقاطه، ولم يبقَ عليّ بهما تعلّق.

(3) وأُسلّم ثالثًا أنّ حديثَي عائشة (158_3248 و158_3249) ثابتان، وأنّ حكم قاعدة البيانات على كلٍّ منهما «0 صحيح»، وأنّ الخصم أقرّ بهما واحتجّ بهما.

(4) لكنّ هنا موضعَ النزاع الحقيقي، وهو أنّ الخصم خصّص «الردّ» في الحديث بالإحداث في العبادات فقال: «وهو في أصل وروده في الإحداث في الدين وما لا شرع له من العبادات». وهذه دعوى تُبطلها الرواية التي أقرّها هو بنفسه: فمتن 158_3249 موردُه فتوى القاسم بن محمد في رجلٍ له ثلاثة مساكن أوصى بثلث كلّ مسكن منها، ثم رفعه إلى عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ؛ وهذا بابُ وصيةٍ ومعاملةٍ، لا بابُ عبادة. فإذا جاز الاحتجاج بالحديث في هذا الباب، سقط تخصيصُه بالعبادات، وبقي عمومُ لفظه: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، و«العمل» نكرةٌ في سياق النفي فتعمّ. فحملُ «الردّ» على عدم ترتّب الأثر ليس تنزيلًا على موضع النزاع كما قال، بل هو ظاهرُ اللفظ؛ لأنّ «الردّ» في لسان العرب إبطالُ الشيء وعدمُ قبوله.

(5) وأمّا قوله إنّ النهي في الآية راجعٌ إلى مَعنًى خارجٍ عن العقد، هو «ترك الانشغال بالسعي»، فهذا تخصيصٌ لا قرينةَ عليه، والمتّبعُ ظاهرُ اللفظ. فالله سبحانه قال: «وَذَرُوا الْبَيْعَ»، والبيُّع اسمُ العقد، قال الجوهري في الصحاح: «بِعْتُ الشيءَ: شَرَيْتُهُ... ويقال للبائع والمشتري: البَيِّعانِ»؛ ولذلك أسنده القرآن إلى البيع لا إلى صاحبه: «وَذَرُوا الْبَيْعَ»، ولو أُريد مجرّدُ الانشغال لكان الأليق «ذروا التبايع» أو «ذروا الاشتغال بالبيع». فلمّا كان المتروكُ هو البيع بعقدِه، وقُيّد زمانُ الترك بالنداء، ثم قيل: «فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ» — دلّ على أن الشارع أبطل العقد في هذا الوقت وردّه إلى الإذن. وتركُ الخصم لفظ «البيع» هو موضعُ الخلل في استدلاله.

(6) وأمّا قوله إنّ الأصل في العقود الصحة حتى يقوم دليل الفساد، فهو استدلالٌ لا يقرّر النتيجة، بل يفرّع عليها؛ إذ لا يُبحث عن دليل الفساد قبل تقرير: هل النهي متعلّق بذات العقد أم لا؟ فإذا تقرّر بالدليل أنّه متعلّق بذات العقد — كما بيّنّا — لم يبقَ البيعُ المنهيُّ عنه فردًا من العامّ «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ»، بل هو مأخوذٌ منه بالمخصّص؛ فتكون الآيتان — آيةُ التحريم وآيةُ الإحلال — على عمومهما من غير تعارض.

(7) وأمّا ما نقله عن مذاهب الفقهاء من موقع إسلام ويب فقد وسمه هو نفسه «من الويب، لم يُتحقق منه في قاعدة البيانات»، فلا يصلح حجّةً ولا معارضةً. وأزيد: أنّ الخلاف المنقول لو صحّ لا يُسقط الدليل، وأمّا في قاعدة البيانات فقد وجدتُ في «طرح التثريب» (962_1022) نقلَ خلافٍ في أنّ النهي يقتضي الفساد، وأنّ الشافعي وأحمد قالا: «لا يبطل» لأنّ «النهيَ لا يَرْجِعُ إلى نفس العقد»، وقال آخرون: «يَبْطُلُ لأنّ النهي يقتضي الفساد»، فليس ما نقله حجّةً علينا ولا دليلًا له على أنّ مذهبه هو الراجح.

فالحاصل: أنّ ما تعلّقتُ به من القرآن والحديث ثابتٌ، وما سقط مني هو الخلط في صياغة سندٍ والأثران الموقوف والمرسل، وقد أسقطتُهما ابتداءً. وبقي الاستدلال قائمًا على: نهي القرآن عن البيع بعقدِه في وقت النداء، والقاعدة النبوية الثابتة في ردّ كلّ عملٍ ليس عليه أمرُ الله، وعمومِ لفظها في المعاملات لا العبادات بدليل موردِ رواية مسلم.

الأدلة المستشهد بها

قرآن 62:9«يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ»

قرآن 62:10«فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»

قرآن 2:275«وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟»

حديث 158_3248«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»

حديث 158_3249«قَالَ سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، عَنْ رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثَةُ مَسَاكِنَ ، فَأَوْصَى بِثُلُثِ كُلِّ مَسْكَنٍ مِنْهَا ... ثُمَّ قَالَ : أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»

معجم الصحاح: بيع«بِعْتُ الشيءَ : شَرَيْتُهُ ، أَبيعُهُ بَيْعًا ومبيعًا ... وبعْتُهُ أيضًا : اشتريته ، وهو من الأضداد ... ويقال للبائع والمشتري : البَيِّعانِ»

تدقيق الطرف لكلام خصمه (عمل خاص)

أوّلًا: ما استشهد به الخصم من آيات (62:9، 62:10، 2:275، 4:29) ثابتٌ نصًّا في مواضعه، موافقٌ لِما أحققتُه في الجولة السابقة، وهو موضع اتفاقٍ بيننا. وثانيًا: ما جاء به عن حديثَي عائشة (158_3248 و158_3249) صحيحٌ من جهة الثبوت، وقد تتبّعتُ سندهما فوجدتهما ثابتين متّصلَين كما ذكر، فليس في هذا موضع منازعة. وثالثًا: تنبيهه على أنّني خلطتُ في سرد سند 158_3248 بين سنديه وسند 158_3249، وأنّ سند 3248 ليس فيه عبد الله بن جعفر الزهري ولا عبد الملك بن عمرو، وأنّ إبراهيم بن سعد في أعلاه لا في أسفله — هذا صحيحٌ أُقرّه، والخلط في صياغة السند لا في الحديث نفسه؛ وقد تبيّن لي من hadith_sanad أنّ سند 3248 هو (6846) و(4996) عن (823) عن (3236) عن (1598) عن (4049)، وأنّ سند 3249 هو (927) و(4232) عن (5231) عن (4763) عن (3236) عن (1598) عن (4049). ورابعًا: وصفه لأثرَي ابن أبي شيبة (96_5246 و96_5248) بأنهما موقوفٌ ضعيف ومرسلٌ منقطع صحيحٌ مطابقٌ لِمَا استخرجتُه، وقد كنتُ صرّحتُ بهما مؤيِّدَين لا دليلَين. وخامسًا: ما ناقش به الاستدلال — أنّ «الردّ» أخصُّ من المعاملات، وأنّ النهي في آية الجمعة راجعٌ إلى معنى خارج عن العقد — دعوى استدلالية لا نصَّ عليها، وردُّها أنّ لفظ «عملًا» في الحديث عامّ، وأنّ مورد 158_3249 في الوصية (معاملة) لا في عبادة، فيسقط تخصيصه، وأنّ الآية أفردت «البيع» بالنفي ولم تقل «الشغل بالبيع». وسادسًا: نقله عن مذاهب الفقهاء من موقع إسلام ويب لا يُعرض دليلًا لأنه لم يُتحقّق في قاعدة البيانات، وإن كان أصلُ الخلاف ثابتًا في 962_1022. ولم يبقَ للخصم دليلٌ على مقصوده غير الاحتمال، ودعوى «الأصل في العقود الصحة» لا تثبت إلا بعد إثبات أنّ النهي لا يتناول ذات العقد، وهو عين النزاع.

(قرآن، صحيح) الآيات الأربع (62:9، 62:10، 2:275، 4:29) ثابتة نصًّا في مواضعها: تحقّقتُ منها بأداة التحقق: 62:9 و62:10 و2:275 كلها «match_at_claimed_ref»، و4:29 مطابق لما في quran_get، وهو عين ما ساقه الخصم.

(حديث، صحيح) حديث عائشة «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (158_3248) و«من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (158_3249) ثابتان، وحكم الواجهة على كلٍّ منهما «0 صحيح»: hadith_get لكليهما: حكم 0 صحيح، و«in_graded_index:true»؛ ومتناهما في صحيح مسلم كما ذكر، وسندهما متّصل. فهذا إقرار من الخصم بصحّة ما احتججتُ به، لا مجال لتضعيفه.

(حديث، صحيح) سند 158_3248 هو: محمد بن الصباح وعبد الله بن عون الهلالي عن إبراهيم بن سعد عن أبيه سعد بن إبراهيم عن القاسم عن عائشة، وليس فيه «عبد الله بن جعفر الزهري» ولا «عبد الملك بن عمرو العقدي»، وأن الخصم ساق سند 3249 في 3248 وقلب الطرفين: hadith_sanad لـ158_3248: النصّ يسمّي (6846) و(4996) و(823) و(3236) و(1598) و(4049)، وسند 158_3249 يسمّي (927) و(4232) و(5231) و(4763) و(3236) و(1598) و(4049). فالخصم محقٌّ في أنّ الخصم الأوّل خلط السندين وأخر إبراهيم بن سعد إلى أسفل السند، وهذا خللٌ في صياغة الخصم الأوّل لا في الحديث.

(استدلال، في غير موضعه) أنّ حديث عائشة إنما ورد أصلًا في الإحداث في الدين والعبادات، وليس فيه نصّ على أنّ كل معاملة حُرّمت لعارض وقتي تكون منفسخة الأثر، فتنزيل «الردّ» على عدم ترتّب أثر العقد إبطالٌ للدليل بالمدّعى: متن الحديث أعمُّ من العبادات: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» لفظٌ عامٌّ في «العمل»، و«ردّ» في كلام العرب إبطالٌ؛ وتخصيصه بالعبادات دعوى تحتاج دليلًا، والسياق في 158_3249 في الوصية (معاملة) لا في عبادة، وهذا مما يضادّ ما ادّعاه الخصم.

(استدلال، لا يمكن التحقق منه) أنّ النهي في آية الجمعة متعلّق بأمرٍ خارج عن ذات العقد (ترك الانشغال عن السعي)، لا بذات العقد: لا نصّ يستشهد به الخصم على هذا التخصيص؛ والآية أفردت «البيع» بالنفي وعلّقت الإذن بانقضاء الصلاة، والخصم أسقط هذا اللفظ ولم يجعل النهي متعلّقًا به، فبقي الاحتمال مجرّدًا لا قرينة.

(حديث، صحيح) أنّ سند 96_5246 فيه شكّ سفيان بن عيينة («عن مجاهد أو غيره») وراوٍ مبهم «عبد الكريم» يحتمل أن يكون متروك الحديث (عبد الكريم بن أبي المخارق 4606)، وأنّ 96_5248 مرسل؛ وهما مؤيِّدان لا دليلان: hadith_get وhadith_sanad لـ96_5246: النصّ يقول «عن مجاهد أو غيره» و«شك سفيان»، و«عبد الكريم» بلا نسبة؛ وhadith_narrator لـ(4606) عبد الكريم بن أبي المخارق: «متروك الحديث»، و(4612) عبد الكريم بن مالك الجزري: «ثقة متقن». و96_5248: ميمون بن أبي شبيب (7815) تابعيّ صغير الطبقة (ت83) فمتنه مرسلٌ. وهذا عين ما قاله الخصم وهو موافق لِمَا في تحليلي.

(قول عالم، لا يمكن التحقق منه) أنّ مذاهب الفقهاء في المسألة مختلفة: الحنفية صحيح مكره، والشافعية صحيح حرام، والمالكية فاسد يفسخ، والحنابلة لا يصح، منقولة من موقع إسلام ويب: الخصم نفسه وسمها «من الويب، لم يُتحقق منه في قاعدة البيانات»، فلا تُعرض دليلًا. وقد وجدتُ في قاعدة البيانات (962_1022 طرح التثريب) نقلَ خلافٍ بالفعل في أنّ النهي يقتضي الفساد، وأنّ الشافعي وأحمد قالا: لا يبطل، وأنّ آخرين قالوا: يبطل — فهو خلافٌ ثابتٌ في الجملة، لكن ليس فيه تعيينُ قولِ كلِّ مذهب كما نقل الخصم.

(حديث، صحيح) أنّ أثر أهل المدينة بلفظ «حرم البيع» لا بطلان فيه، فتركُ الحكم بالبطلان موافقٌ للفظ الأثر: متن 96_5248 كما في hadith_get: «حَرُمَ الْبَيْعُ حَرُمَ الْبَيْعُ» — لفظ تحريم لا لفظ بطلان، فهذا صحيح، غير أنه لا يعارض الاستدلال بلاغته؛ فاللفظ لا ينفي البطلان، وإنما لا يصرّح به.

(استدلال، لا يمكن التحقق منه) أنّ الأصل في العقود الصحة حتى يقوم دليل الفساد، وأنّ الإباحة العامة للبيع ترجّح صحة بيع الجمعة: قاعدةٌ استدلالية لا نصَّ لها بعينها، وهي موضع النزاع: فإن كان النهي متعلّقًا بذات العقد لم يبقَ البيع فردًا من العام؛ فالاستدلال لا يثبت إلا بعد إثبات المقدّمة المتنازع فيها.

تنبيه: الحديث 158_3248: حُكم على الراوي «عائشة بنت أبي بكر» (4049) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 158_3249: حُكم على الراوي «إسحاق بن راهويه المروزي» (927) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 158_3249: حُكم على الراوي «عبد بن حميد الكشي» (4232) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 158_3249: حُكم على الراوي «عائشة بنت أبي بكر» (4049) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 96_5246: حُكم على الراوي «سفيان بن عيينة الهلالي» (3443) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 96_5246: حُكم على الراوي «عبد الكريم - غير محدَّد» (4606 أو 4612) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 96_5246: حُكم على الراوي «مجاهد بن جبر القرشي» (6715) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 96_5248: حُكم على الراوي «كثير بن هشام الكلابي» (6579) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 96_5248: حُكم على الراوي «جعفر بن برقان الكلابي» (2143) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 96_5248: حُكم على الراوي «ميمون بن أبي شبيب الربعي» (7815) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص

الطرف الثاني، الجولة 2

الحمد لله. أفتح بهذا التقرير: أنّي لا أُدافع عن خطأ، ولا أُصرّ على تخصيصٍ لا دليل عليه، وأُوجّه النزاع إلى نقطته الحقيقية.

(1) أُسلّم للخصم بأنّ تخصيصي «الردّ» في الحديث بالإحداث في العبادات لا يصحّ على الإطلاق: فقد رجعتُ إلى متن 158_3249، وهو كما نقل: «سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثَةُ مَسَاكِنَ، فَأَوْصَى بِثُلُثِ كُلِّ مَسْكَنٍ مِنْهَا... ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». فالمورد في مسألة وصية، والحديث يُستعمل في باب المعاملات؛ فقد سقط عنّي هذا الاعتراض، ولا أعود إليه. وأزيد: لفظ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا» نكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فلا أُضيّقه.

(2) لكنّ هذه التسليمة لا تُنتج المطلوب، بل هي أوضحُ دليلٍ على الخلاف بيننا؛ لأنّ الحديث يقرّر أنّ العمل المخالف للأمر «ردّ» على صاحبه، أي مردودٌ عليه غير مقبول منه، وليس فيه أنّ كلّ تصرّفٍ حرُم لعارضٍ تنحلّ به العقود وتُهدر فيه الأموال؛ ولو لزم ذلك لَلَزم في كلّ منهيٍّ عنه، والمقرَّر في كبار المناهي أنفسها خلافُه. وهذا معنى قول لسان العرب في الردّ: «الرد: صرف الشيء ورَجْعُه»، وقوله في الحديث: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ أي مردودٌ عليه». فالردّ صرفُ العمل عن صاحبه، لا فسخُ عقدٍ بالضرورة. وأمّا ما زاده الخصم من أنّ «الردّ في لسان العرب إبطال الشيء» فلم يثبت عن المعجم بهذا الإطلاق؛ بل الذي فيه أنّ «وهما يتَرادَّان البيعَ: من الرد والفسخ» — أي أنّ الفسخ في البيع إنما يحصل بترادّ العاقدين، لا بحكمٍ من الأمر بمجرّده.

(3) وهنا أُقيم حجّتي من مصدرٍ زاده الخصم نفسه: فقد استخرجتُ 962_1022 (طرح التثريب للعراقي) ووجدتُ فيه بنصّه: «اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الْبَيْعَ هَلْ يَبْطُلُ أَمْ لا؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ: لا يَبْطُلُ... فَإِنَّ النَّهْيَ لا يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِ الْعَقْدِ، وَلَا يُخِلُّ هَذَا الْفِعْلُ بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِهِ وَشَرَائِطِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الْإِضْرَارِ بِالرُّكْبَانِ، وَذَلِكَ لا يَقْدَحُ فِي نَفْسِ الْبَيْعِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَبْطُلُ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ». فالخصم ساق هذا النصّ ليُثبت أنّ المسألة خلافية، وأنا أقبله وأزيد: أنّ فيه تقرير القاعدة التي أعتمدها: أنّ النهي إذا رجع إلى أمرٍ خارجٍ عن العقد لا يُفسده. وهذا هو عين مسألتنا: فإن نهي نداء الجمعة راجعٌ إلى وقت السعي وإلى المكلَّف، لا إلى أركان البيع وشروطه؛ فمقتضى القاعدة صحة البيع مع الإثم، لا بطلانه. ويجب التنبيه على أنّه نقلٌ في كتاب فقهٍ عن مسألةٍ أخرى (تلقّي الركبان)، فهو مؤيِّد لا دليل نصّي، لكنّه يُثبت وجود القاعدة التي عليها مدار قولي.

(4) وأمّا قوله إنّ تعلّق النهي بمجرّد الانشغال «تخصيصٌ لا قرينة عليه»، فالقرينة في الآية نفسها: فإنّ الله علّل الأمر بالترك بأمرٍ آخر هو «فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ»، فجُعل الترك قسيمًا للسعي وصادرًا عن الأمر به؛ والمأمور به سعيُ المكلَّف وذهابه، فالمتروك أيضًا هو انصرافه إلى البيع واشتغاله به؛ ولو كان المتروك هو العقد من حيث هو، لم يكن السعي قرينةً عليه. وقوله إنّ القرآن لو أراد الانشغال لقال «ذروا التبايع» فتشبّث باللفظ؛ والجواب: أنّ «البيع» في لسان العرب يقع على ما يقع على العقد كما ذكر — وهذا لا أُنازعه — لكن دلالة اللفظ على أنّ مفهوم العقد قائمٌ لا تنقله إلى أنّ مجرّد النهي يُهدمه؛ فهذا انتقالٌ في غاية الدعوى.

(5) وأمّا احتجاجه بأنّ «فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ... وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ» يدلّ على الإذن بعد إبطال العقد، فليس في الآية ذكرٌ لحكم العقود الواقعة قبل الصلاة، ولا لِما يجب على المتعاقدين؛ وآيةٌ تبيّن انقضاء الحكم بانقضاء الصلاة لا تنصّ على فساد العقود المتقدّمة.

(6) وجملة الأمر: أنّ ما تعلّق به الخصم ثابتٌ في الكتاب والسنّة (والحمد لله)، لكنّ دلالته على البطلان مبنية على مقدّمتين غير محقَّقتين: أنّ النهي راجع إلى ذات العقد، وأنّ «الردّ» يلزم منه انحلال العقد؛ وما زاده من طرح التثريب يشهد للقاعدة التي أعتمدها لا عليه. ومع قيام احتمال أن يكون المتروك هو الانشغال لا العقد نفسه، يبقى العقد على الأصل وهو الصحة، ولا يقوم الدليل على البطلان. وهذا معنى: محرَّم صحيح.

(7) وأُشير في الأخير — مع التنصيص على أنه من الويب، لم يُتحقق في قاعدة البيانات — أنّ موقع إسلام ويب ذكر أنّ الحنفية قالوا بالصحة مع الحرمة، والشافعية قالوا بالصحة مع الحرمة، والمالكية بالفاسد يفسخ، والحنابلة بعدم الصحة؛ فهذا لا يُثبت صحّة العقيدة، لكنّه ينقض دعوى أنّ البطلان هو الأظهر وما عليه الجمهور. وأمّا قوله إنّ نقل ابن خويز منداد وابن عبد البر أنّ «البيع صحيح على قول الجميع» فذلك أيضًا نقلٌ من الويب لم أتحقّق منه.

الأدلة المستشهد بها

قرآن 62:9«يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ»

قرآن 62:10«فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»

قرآن 2:275«وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟»

حديث 158_3248«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»

حديث 158_3249«قَالَ سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، عَنْ رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثَةُ مَسَاكِنَ ، فَأَوْصَى بِثُلُثِ كُلِّ مَسْكَنٍ مِنْهَا ، قَالَ : يُجْمَعُ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ ؟ ، ثُمَّ قَالَ : أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»

حديث 96_5246«مَنْ بَاعَ شَيْئًا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ ؛ لأَنَّ اللَّهَ نَهَى عَنِ الْبَيْعِ إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ»

حديث 96_5248«كَانَ بِالْمَدِينَةِ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُنَادُونَ فِي الْأَسْوَاقِ : حَرُمَ الْبَيْعُ حَرُمَ الْبَيْعُ»

معجم الصحاح: بيع«بِعْتُ الشيءَ : شَرَيْتُهُ ، أَبيعُهُ بَيْعًا ومبيعًا ، وهو شاذ وقياسه مَباعًا . وبعْتُهُ أيضًا : اشتريته ، وهو من الأضداد . قال الفرزدق : إنَّ الشَّبابَ لَرابِحٌ مَنْ باعَهُ والشَّيْبُ ليس لِبائِعهِ تِجارُ يعني : من اشتراه .وفي الحديث : "" لا يَخْطُب الرجلُ على خِطْبَةِ أخيه ، ولا يَبِعْ على بَيْعِ أخيه "" ، يعني : لا يشتري على شراء أخيه ، فإنَّما وقع النهيُ على المشتري لا على البائِع ... ويقال للبائع والمشتري : البَيِّعانِ»

معجم لسان العرب: ردد«الرد : صرف الشيء ورَجْعُه . والرَّدُّ : مصدر رددت الشيء ... وفي حديث عائشة : من عمل عملًا ليس عليه أَمرنا فهو رَدٌّ أَي مردودٌ عليه ... وهما يتَرادَّان البيعَ : من الرد والفسخ»

تدقيق الطرف لكلام خصمه (عمل خاص)

أudit ردّ الخصم: كلّ ما أقرّ به صحيح (خلط السند بين 3248 و3249، وضعف الأثرين الموقوف والمرسل)، وكلا حديثَي عائشة ثابت صحيح كما قال، والمتن في 158_3249 في باب وصية لا عبادة كما استخرجتُه، ونقلُه عن «طرح التثريب» (962_1022) مطابق لفظًا وإن كان سياقه مسألة تلقّي الركبان لا بيع الجمعة. والنقول المعجمية (sihah بيع، lisan ردد) صحيحة، وفي لسان العرب أنّ «الردّ» صرفُ الشيء ورجعه، والمردود عليه، ومنه ترادّ البيع بمعنى الفسخ — وهذا لا يحسم المسألة. وبقيت النتيجة المتنازع عليها (هل يلزم من التحريم بطلان العقد؟) بلا نصّ محقَّق يسندها، والخصم يبنيها على تخصيصٍ أصولي هو عين محلّ النزاع. فلا أُسقط شيئًا ممّا صحّحه، وأُوجّه النقاش إلى موضع الانفصال: معنى «الردّ» وهل يستلزم انحلال العقد.

(حديث، صحيح) إقرار الخصم بأنّه أدرج «عبد الله بن جعفر الزهري» و«عبد الملك بن عمرو العقدي» في سند 158_3248 وهما من سند 158_3249، وأنّ سند 3248 هو: محمد بن الصباح وعبد الله بن عون عن إبراهيم بن سعد عن أبيه سعد عن القاسم عن عائشة: مطابق لما في hadith_sanad: سند 158_3248 يسمّي 6846 و4996 و823 و3236 و1598 و4049؛ وسند 158_3249 يسمّي 927 و4232 و5231 و4763 ثم الباقي. فالإقرار صحيح والتصحيح صحيح.

(حديث، صحيح) إقراره بأنّ أثرَي ابن أبي شيبة (96_5246 عن مجاهد، 96_5248 عن ميمون) لا ينهضان دليلًا، وأنّ لفظهما «حرم البيع» لا «بطل»: متن 96_5246: «...فإنّ بيعه مردود» وهو قول مجاهد وفي سنده شكّ سفيان وراوٍ مبهَم «عبد الكريم»؛ ومتن 96_5248: «...حرم البيع حرم البيع» وهو قول ميمون بن أبي شبيب (ت83) المرسل. فإقراره مطابق.

(حديث، صحيح) أنّ حديثَي عائشة 158_3248 و158_3249 ثابتان وحكم الواجهة عليهما «0 صحيح»: النصّان مطابقان، وحكم الواجهة على كلٍّ منهما «0 صحيح»، وقد تتبّعتُ سندهما فوجدتهما صحيحين متّصلين.

(حديث، صحيح) أنّ مورد متن 158_3249 في فتوى القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن أوصى بثلث كلّ مسكن، فهو باب وصية ومعاملة لا باب عبادة، فسقط تخصيص «الردّ» بالعبادات: متن 158_3249 كما استخرجتُه: «قَالَ سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثَةُ مَسَاكِنَ، فَأَوْصَى بِثُلُثِ كُلِّ مَسْكَنٍ مِنْهَا... ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». فالمورد في مسألة وصية، والحديث يُستدلّ به في باب المعاملات، فهذا الجزء من اعتراضه صحيح وأُقرّه.

(معجم، صحيح) أنّ «العمل» نكرة في سياق النفي فتعمّ، وأنّ «الردّ» في لسان العرب إبطال الشيء وعدم قبوله: لسان العرب (ردد): «الرد: صرف الشيء ورَجْعُه»؛ «وفي حديث عائشة: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ أي مردودٌ عليه». وفيه أيضًا: «وهما يتَرادَّان البيعَ: من الرد والفسخ». فالمعنى اللغوي «المردود عليه» ثابت، وعموم «من عمل عملًا» ثابت لفظًا؛ لكنّ المعجم لا يقرّر أنّ كل ردٍّ للعمل يهدم العقد، فنتيجة الفساد تبقى محلّ النزاع.

(معجم، صحيح) قول الجوهري في الصحاح: «بِعْتُ الشيءَ: شَرَيْتُهُ... ويقال للبائع والمشتري: البَيِّعانِ» والاستدلال به على أنّ المتروك هو العقد: النصّ موجود في الصحاح (بيع) بلفظه. ودلالته أنّ اسم البيع يقع على العقد، وهذا لا ينازع فيه، لكن المعجم لا يقرّر أنّ النهي عن البيع في وقت النداء يقتضي فساد العقد.

(قول عالم، صحيح) أنّه في «طرح التثريب» (962_1022) نقلُ خلافٍ في أنّ النهي يقتضي الفساد، وأنّ الشافعي وأحمد قالا: «لا يبطل» لأنّ «النهي لا يرجع إلى نفس العقد»، وقال آخرون: «يبطل لأنّ النهي يقتضي الفساد»: استخرجتُ 962_1022 فوجدتُ فيه حرفيًّا: «اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الْبَيْعَ هَلْ يَبْطُلُ أَمْ لا؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ: لا يَبْطُلُ... فَإِنَّ النَّهْيَ لا يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِ الْعَقْدِ... وَقَالَ آخَرُونَ: يَبْطُلُ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ». فالنقل مطابق. لكن البيان يجب أن يُلاحظ أنّ سياق المسألة في الكتاب هو النهي عن تلقّي الركبان لا بيع الجمعة، وأنّ الكتاب من كتب الفقه لا من كتب الحديث.

(استدلال، في غير موضعه) الاستدلال بقوله «وَذَرُوا الْبَيْعَ» وأنّ البيّع اسم العقد، مع قرينة الإذن بعد الصلاة، على أنّ الشارع أبطل العقد في هذا الوقت: لفظ الآية ثابت، وإسناد الترك إلى «البيع» ثابت؛ لكن الانتقال من «ذروا البيع» إلى «العقد باطل» هو عين محلّ النزاع، ولم يأتِ البيان ببرهانٍ من الكتاب أو السنّة على أنّ ترك العقد في وقتٍ يلزم منه بطلانه في ذلك الوقت.

(استدلال، لا يمكن التحقق منه) أنّ الأصل في العقود الصحة فرعٌ لا دليل، وأنّ النهي إذا ثبت تعلّقه بذات العقد صار البيع مخصَّصًا من عموم «أحلّ الله البيع»: هذه مقدّمة أصولية متنازع فيها، ولا يقوم عليها دليل نصّي محقَّق في هذا البيان؛ فبيان أن النهي متعلّق بالذات هو أوّل النزاع لا آخرُه.

تنبيه: الحديث 158_3248: حُكم على الراوي «إبراهيم بن سعد الزهري» (823) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 158_3248: حُكم على الراوي «عائشة بنت أبي بكر» (4049) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 158_3249: حُكم على الراوي «عائشة بنت أبي بكر» (4049) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 96_5246: حُكم على الراوي «عبد الكريم (مبهَم)» (4606 أو 4612) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 962_1022: التحليل مُعلَن «محقَّق» لكن المتحدث لم يجلب السند (hadith_sanad).السند لم يُحقَّق
تنبيه: الحديث 962_1022: لا يتضمن التحليل أي راوٍ بعينه.لم يُحلَّل أي راوٍ

الطرف الأول، الجولة 3

الحمد لله. هذا بيان الختام، وأُجمّل فيه ما ثبت وما سقط بعد الجولتين.

(1) أمّا ما اتّفقنا عليه فهو ثابتٌ محقَّق: آية الجمعة: «يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ»، وآية الإذن بعد الصلاة: «فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ»، وآية الإحلال: «وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟». وقد سلّم الخصم بمضمونها وأنّها ثابتةٌ في مواضعها.

(2) وأمّا حديث عائشة رضي الله عنها فقد ثبت بالتحقيق: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (158_3248) و«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (158_3249)، سندهما في صحيح مسلم متّصلٌ ورجاله ثقات، وقد أقرّ الخصم بصحّتهما ورجع عن تخصيصهما بالعبادات لمّا تبيّن أن مورد 158_3249 فتوى في وصيةٍ بمساكن، أي بابُ معاملةٍ لا بابُ عبادة. فبقي عمومُ اللفظ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، والبيعُ الواقع في وقت النهي عملٌ ليس على أمر الله، فيدخله الردّ.

(3) وأهمُّ ما ختم به الخصم استدلاله من لسان العرب هو بعينه ما يثبت دعواي: ففي اللسان عند نقل الحديث: «وفي حديث عائشة : من عمل عملًا ليس عليه أَمرنا فهو رَدٌّ أَي مردودٌ عليه»، وفيه أيضًا عن الردّ: «وردَّ عليه الشيء إِذا لم يقبله». ثمّ قال في اللسان نفسه بالنصّ: «وهما يتَرادَّان البيعَ : من الرد والفسخ». فاللسان جعل «الرَّد» في البيع هو «الفسخ» بعينه، لا مجرّد صرفٍ للعمل عن صاحبه. فحين نُفي البيعُ في آية الجمعة، وردّه النبي ﷺ بقاعدة الردّ، كان المرادُ لازمَ ذلك: الفسخ وعدم ترتّب الأثر — وهو المطلوب. فالخصم بنى استدلاله على المعجم، والمعجم يشهد لي.

(4) وأمّا ما استشهد به من «طرح التثريب» (962_1022) في نقل خلاف العلماء، فقد ثبت أنّ النصّ مطابقٌ للكتاب (حكم الواجهة: -1 غير محدد)، فلا أنكره. لكنّه: (أ) كتابُ فقهٍ لا حديث؛ (ب) ولا سند له أصلًا، وسلسلة «text» فيه أسماءُ مناقشةٍ فقهية (الشافعي وأحمد وأبو حنيفة والأوزاعي وسحنون وابن خويز منداد وابن عبد البر وابن حبيب)، لا رواةَ حديث؛ فدعوى «تحقيق سنده» غير صحيحة؛ (ج) ومورده في النهي عن تلقّي الرُّكبان، لا في بيع الجمعة. فهو قاعدةٌ عامّة مستنبَطة في مسألةٍ أخرى، وتطبيقُها على مسألتنا موقوفٌ على تحقّق الشرط المتنازع فيه: أن يكون النهي خارجًا عن ذات العقد. وهذا هو عين الدَّور: يثبت القاعدة بمسألة المخاطرة، ثم يستدلّ بها على مسألتنا.

(5) وأمّا الآثار: أثر مجاهد (96_5246) موقوفٌ ضعيفٌ بمبهمٍ وشكٍّ، وأثر ميمون (96_5248) مرسلٌ منقطع، وقد أقررتُ ابتداءً أنّهما مؤيِّدان لا دليلان، ولفظهما تحريمٌ لا بطلان — وقد أسقطهما الخصم ولم يتعلّق بهما استدلالي.

(6) ولم يبقَ للخصم ما يقوم به على قوله «محرَّم صحيح» إلا الاحتمال: أن يكون المتروك مجرّدَ الانشغال، لا العقد. لكنّ الظاهر بخلافه، والقرآن أسند الترك إلى البيع باسمه لا إلى صاحبه ولا إلى الشغل به: «وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ»؛ ثم علّق الإذنَ فيه بانقضاء الصلاة؛ فيكون البيعُ في هذا الوقت مردودًا مفسوخًا، والبيعُ بعده محلَّلًا للعموم. والقرآن لا يأمر بترك اسمِ عقدٍ ثم يُبطل عقدَه بعينه، ولا ينقل الحكم من مجرّد احتمال. فدعوى الصحة مع الحرمة قائمةٌ على احتمالٍ لا قرينة، وعلى قاعدةٍ مستنبَطة من مسألةٍ أخرى، وعلى نقلٍ من الويب لم يُتحقّق؛ وما استدلّ به على معنى «الرد» من المعجم قد ساقه في صدر كلامه وفي متنه ما ينقضه.

فالحاصل آخِرًا: البيع بعد نداء الجمعة محرَّمٌ بنصّ القرآن، وباطلٌ بما قضاه النبيّ ﷺ من أنّ كلّ عملٍ ليس على أمر الله فهو ردٌّ، وبما في لسان العرب من أنّ «يتَرادَّان البيعَ: من الرد والفسخ». فهذا هو قول طرفي في ختام المناظرة.

الأدلة المستشهد بها

قرآن 62:9«يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ»

قرآن 62:10«فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»

قرآن 2:275«وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟»

حديث 158_3248«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»

حديث 158_3249«قَالَ سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، عَنْ رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثَةُ مَسَاكِنَ ، فَأَوْصَى بِثُلُثِ كُلِّ مَسْكَنٍ مِنْهَا ... ثُمَّ قَالَ : أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»

معجم لسان العرب: ردد«الرد : صرف الشيء ورَجْعُه . والرَّدُّ : مصدر رددت الشيء ... وردَّ عليه الشيء إِذا لم يقبله ... وفي حديث عائشة : من عمل عملًا ليس عليه أَمرنا فهو رَدٌّ أَي مردودٌ عليه ... وهما يتَرادَّان البيعَ : من الرد والفسخ»

معجم الصحاح: بيع«بِعْتُ الشيءَ : شَرَيْتُهُ ، أَبيعُهُ بَيْعًا ومبيعًا ... وبعْتُهُ أيضًا : اشتريته ، وهو من الأضداد ... ويقال للبائع والمشتري : البَيِّعانِ»

تدقيق الطرف لكلام خصمه (عمل خاص)

أوّلًا: قد تحقّق ما استشهد به الخصم من القرآن (62:9، 62:10، 2:275) مطابقًا لمواضعه، وهو موضع اتّفاق. وثانيًا: اقتباسُه من لسان العرب (ردد) مطابقٌ بحروفه: «الرد : صرف الشيء ورَجْعُه» و«من عمل عملًا ليس عليه أَمرنا فهو رَدٌّ أَي مردودٌ عليه». لكن في عين ما استشهد به ما يخدم طرفي: «وهما يتَرادَّان البيعَ : من الرد والفسخ» — أي أنّ «الرَّد» في البيع يُساوي «الفسخ»، فاللفظ نفسه يشهد لمعنى الإبطال في باب البيع، لا لمجرّد صرف العمل. وثالثًا: تسليمه بأنّ تخصيص «الردّ» بالعبادات باطل صحيحٌ، ويُعينه أنّ مورد 158_3249 في الوصية (معاملة). ورابعًا: نقلُه من 962_1022 مطابقٌ للكتاب، ولا يُنازع، لكنه كتابُ فقه لا حديث، وحكم الواجهة «-1 غير محدد»، ولا سند له أصلًا (سلسلة «text» أسماء مناقشة فقهية لا رواة)، ودعواه «تحقيق سنده» غير صحيحة؛ ومتنه في النهي عن تلقّي الركبان لا بيع الجمعة، فلا يُثبت مسألتنا. وخامسًا: ما نقله من مذاهب الفقهاء من إسلام ويب غير مُتحقَّق. وسادسًا: حُجّته الباقية — أنّ النهي خارجٌ عن ذات العقد وأنّ اللفظ لا يُنقَل عنه — دعوى استدلالية لا نصَّ عليها، والآية تسند الترك إلى «الْبَيْعَ» باسمه. فلم يبقَ للخصم ما يقوم به على الصحة سوى الاحتمال.

(حديث، صحيح) تسليم الخصم بأنّ تخصيصه «الردّ» في الحديث بالإحداث في العبادات لا يصحّ، وأنّ مورد 158_3249 في مسألة وصية فهو في باب المعاملات: hadith_get لـ158_3249: المتن نصّه «قَالَ سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، عَنْ رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثَةُ مَسَاكِنَ ، فَأَوْصَى بِثُلُثِ كُلِّ مَسْكَنٍ مِنْهَا» ثم رفعَه إلى عائشة عن النبي ﷺ؛ فهو باب وصيةٍ ومعاملة، فتسليمه في محلّه.

(معجم، صحيح) أنّ الخصم قال في لسان العرب: «الرد: صرف الشيء ورَجْعُه»، وأنّ «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ أي مردود عليه»، وأنّ «وهما يتَرادَّان البيعَ: من الرد والفسخ»: lexicon_lookup لسان:ردد — النصّ فيه بحروفه: «الرد : صرف الشيء ورَجْعُه . والرَّدُّ : مصدر رددت الشيء»، وفيه: «وفي حديث عائشة : من عمل عملًا ليس عليه أَمرنا فهو رَدٌّ أَي مردودٌ عليه»، وفيه: «وهما يتَرادَّان البيعَ : من الرد والفسخ». فالاقتباس مطابق.

(معجم، صحيح) أنّ ما زاده الخصم الأوّل من أنّ «الردّ في لسان العرب إبطال الشيء» لم يثبت عن المعجم بهذا الإطلاق: اللسان لا يقول «إبطال» بهذا اللفظ، بل فيه «وردَّ عليه الشيء إِذا لم يقبله» و«وشيء رَدٌّ أَي رديء»؛ فالاعتراض على اللفظ صحيح. غير أنّ في عين ما استشهد به الخصم ما يقطع بمعنى الفسخ في البيع: «وهما يتَرادَّان البيعَ : من الرد والفسخ»، أي أنّ «الرَّد» في البيع هو «الفسخ» نفسه، وهذا حجةٌ عليّ لصالح دعوى البطلان لا عليها.

(حديث، صحيح) أنّ في «طرح التثريب» (962_1022) نصًّا عن الخلاف: «اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الْبَيْعَ هَلْ يَبْطُلُ أَمْ لا؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ: لا يَبْطُلُ... فَإِنَّ النَّهْيَ لا يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِ الْعَقْدِ... وَقَالَ آخَرُونَ: يَبْطُلُ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ»: hadith_get لـ962_1022: الكتاب «طرح التثريب للعراقي»، تصنيفه «فقه»، وحكم الواجهة «-1 غير محدد»؛ والنصّ المذكور ثابتٌ فيه بحروفه. فهو نقلٌ فقهيٌّ مطابق، لكنّه في مسألة النهي عن تلقّي الركبان، ومورده ليس بيع الجمعة؛ فحجّته به استشهادٌ على وجود القاعدة لا دليلٌ نصّي على مسألتنا.

(حديث، في غير موضعه) أنّ الخصم «حقّق سند» 962_1022: hadith_sanad لـ962_1022 يقول: «no_stored_isnad»، وسلسلة sanad_id «text» ليست سندًا بل أسماءُ مناقشةٍ فقهية في المتن (الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وسحنون وابن خويز منداد وابن عبد البر...)، لا رواةَ حديث. فهو نقلٌ فقهيٌّ لا حديثٌ مسند، ودعوى تحقيق سنده غير صحيحة من جهته.

(استدلال، لا يمكن التحقق منه) أنّ نهي نداء الجمعة راجعٌ إلى وقت السعي وإلى المكلَّف لا إلى أركان البيع، وأنّ «فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ» قرينةٌ على أنّ المتروك هو الانصراف إلى البيع لا العقد: لا نصّ على هذا التخصيص؛ ومتن الآية أسند الترك إلى «الْبَيْعَ» باسمه لا إلى «صاحبه» ولا إلى «الشغل به»، قال تعالى: «وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ». فدعوى أنّ القرينة تصرف اللفظ عن العقد دعوى لا يقوم عليها دليل، وهي عين محلّ النزاع.

(استدلال، لا يمكن التحقق منه) أنّ «المقرَّر في كبار المناهي أنفسها» أنّ النهي لا يقتضي فساد المعاملة لعارض، وأنّه لو لزم ذلك للزم في كلّ منهيٍّ عنه: دعوى عامّة بلا نصّ ولا مثالٍ محرَّر، ولا سياق، فهي استدلالٌ لا دليل، وتناقض ما في 962_1022 نفسه من أنّ «آخرين» قالوا «يَبْطُلُ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ».

(حديث، صحيح) أنّ أثرَي 96_5246 و96_5248 ضعيفان لا ينهضان (وهو ما أقرّه وأسقطه): hadith_get لـ96_5246: النصّ فيه «عن مجاهد أو غيره» و«شك سفيان» والراوي «عبد الكريم» مبهَم؛ وهو موقوفٌ على مجاهد. و96_5248: ميمون بن أبي شبيب (7815) تابعيّ صغير الطبقة (ت83)، فمتنه مرسلٌ منقطع. وهو موافق لِمَا أسقطتُه ابتداءً.

(قول عالم، لا يمكن التحقق منه) نقل مذاهب الفقهاء من موقع إسلام ويب (الحنفية والشافعية بالصحة مع الحرمة، والمالكية بالفاسد يفسخ، والحنابلة بعدم الصحة): الخصم نفسه وسمه «من الويب، لم يُتحقق في قاعدة البيانات»، فلا يُعرض دليلًا. والذي في قاعدة البيانات (962_1022) أنّ «البيع صحيح على قول الجميع» حكاه ابن خويز منداد وأنّ ابن عبد البر قال «هو الصحيح»، وأنّ قول الفسخ قولٌ في مذهب مالك حكاه سحنون عن غير ابن القاسم، وأنّ ابن حبيب ذهب إلى فسخ البيع.

تنبيه: الحديث 158_3248: حُكم على الراوي «عائشة بنت أبي بكر» (4049) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 158_3249: حُكم على الراوي «إسحاق بن راهويه المروزي» (927) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 158_3249: حُكم على الراوي «عبد بن حميد الكشي» (4232) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 158_3249: حُكم على الراوي «عائشة بنت أبي بكر» (4049) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 962_1022: لا يتضمن التحليل أي راوٍ بعينه.لم يُحلَّل أي راوٍ
تنبيه: الحديث 96_5246: حُكم على الراوي «سفيان بن عيينة الهلالي» (3443) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 96_5246: حُكم على الراوي «عبد الكريم - مبهم» (4606 أو 4612) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 96_5246: حُكم على الراوي «مجاهد بن جبر القرشي» (6715) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 96_5248: حُكم على الراوي «كثير بن هشام الكلابي» (6579) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 96_5248: حُكم على الراوي «جعفر بن برقان الكلابي» (2143) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 96_5248: حُكم على الراوي «ميمون بن أبي شبيب الربعي» (7815) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص

الطرف الثاني، الجولة 3

الحمد لله، هذا بيان الختام. أُجمّل فيه ما ثبت بالتحقيق وما سقط، وأُبيّن أنّ العقدة التي بقي عليها الخصم عقدةٌ لا يحلّها نقلُه.

(1) ما ثبت واتّفقنا عليه بعد التحقيق: آيات الجمعة 62:9 و62:10 وآية البقرة 2:275 وآية النساء 4:29، كلّها مطابقة لمواضعها. وحديثا عائشة رضي الله عنها: 158_3248 و158_3249، تتبّعتُ سندهما بنفسي فوجدتهما صحيحين متّصلين، رجالهما ثقات، وحكم الواجهة على كلٍّ منهما «0 صحيح»، ووافق الحكمُ ما وجدتُه بالتتبّع. فهذا محلّ وفاق، فلا أُطيل فيه. وثبت أيضًا أنّ «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» عامٌّ في المعاملات كما في العبادات، لأنّ مورد رواية مسلم في وصية، وقد أسلمتُ بذلك في الجولتين ولا أعود عنه.

(2) وما سقط من كلام الخصم فبيّن: الأثران الموقوف والمرسل (96_5246 و96_5248) أسقطهما هو ابتداءً، ولفظهما تحريمٌ أو ردٌّ موقوف ومُرسَل، لا حكمًا نبويًّا؛ فلا حجّة فيهما له ولا لي. و962_1022 نقلٌ فقهي في «طرح التثريب» للعراقي، تصنيفه فقه، ولا صفّ سند محفوظ له (no_stored_isnad)، وأسماء سلسلته أعلامُ مناقشةٍ (الشافعي، أحمد، أبو حنيفة، سحنون، ابن خيرية...) لا رواةَ إسناد؛ فليس حديثًا يُحتجّ به، وإنّما أستشهد به لبيان أنّ مسألة «هل يقتضي النهي الفساد» خلافٌ قديم منقول عن الشافعي وأحمد بالصحة، لا إجماعٌ على البطلان.

(3) وأمّا عمدة الخصم في الختام: قوله إنّ اللسان جعل «الرَّدّ» في البيع «الفسخ» بعينه، فالجملة في اللسان بنصّها: «وهما يتَرادَّان البيعَ: من الرد والفسخ». وهذا وصفٌ لفعل العاقدين المتقابلين — التقايل والترادّ بين البائع والمشتري — لا حكمٌ بأنّ مجرّد تحريم البيع أو الأمر بتركه يفسخ العقد من تلقاء نفسه. فالمعجم صرّح بمصدر الفسخ: ترادّ الطرفين، لا نهي الشرع؛ فلا يَشهد للخصم كما أراد، بل يشهد أنّ الفسخ فعلٌ بين العاقدين.

(4) وأمّا ما زاد أنّه لم يبقَ لي إلا الاحتمال، فليس بصحيح: بقي لي عمومُ «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» وهو نص محقَّق، وبقي الإذن في الابتغاء بعد الصلاة، وبقي ازدياد الخلاف المنقول في المسألة. والانتقال من «وَذَرُوا الْبَيْعَ» إلى «العقد باطل» هو عين المقدّمة المتنازع عليها، لا نتيجةً لازمة من النصّ؛ فمن ادّعى اللزوم فعليه بيانه، ولم يأتِ به نصًّا محقَّقًا.

(5) وبتمام الحجّة أقول: ثبت التحريم بنصّ الآية، ولم يثبت البطلان بنصّ محقَّق؛ فالبيع بعد النداء محرَّم صحيح، يأثم فاعله ولا يبطل عقده. والله أعلم.

الأدلة المستشهد بها

قرآن 62:9«يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ»

قرآن 62:10«فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»

قرآن 2:275«وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟»

حديث 158_3248«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»

حديث 158_3249«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»

معجم لسان العرب: ردد«الرد : صرف الشيء ورَجْعُه . والرَّدُّ : مصدر رددت الشيء ... وفي حديث عائشة : من عمل عملًا ليس عليه أَمرنا فهو رَدٌّ أَي مردودٌ عليه ... وهما يتَرادَّان البيعَ : من الرد والفسخ»

معجم الصحاح: بيع«بِعْتُ الشيءَ : شَرَيْتُهُ ، أَبيعُهُ بَيْعًا ومبيعًا ... وبعْتُهُ أيضًا : اشتريته ، وهو من الأضداد ... ويقال للبائع والمشتري : البَيِّعانِ»

تدقيق الطرف لكلام خصمه (عمل خاص)

بيان الخصم الختامي: ثبّتَ ما هو ثابت (الآيات الثلاث، وحديثا عائشة صحيحان، وعموم لفظ 158_3249 في المعاملات، وصحّة نقل 962_1022 وأنّه لا سند له) وهذا كلّه صحيح؛ وأسقط الأثرين الضعيفين. وأهمّ ما يجب رصده: (1) أنّه ساق مدخل لسان العرب «ردد» بجُمَل متفرقة موصولة بنقاط الحذف، وهي كلّها موجودة في المدخل بلفظها، فالمادّة ثابتة وإن كانت الصياغة مجمّعة؛ (2) أنّه بنى على «وهما يتَرادَّان البيعَ: من الرد والفسخ» أنّ «الردّ» في البيع هو الفسخ بعينه، وهذه في اللسان وصفُ فعل العاقدين المتبادلين (التقايل)، لا حكمٌ بأنّ النهي يفسخ العقد آليًّا؛ (3) أنّه نسب إليّ دعوى «تحقيق سند» 962_1022، ولم أدّعِ ذلك، بل ذكرتُه نقلًا فقهيًّا لا حديثًا مسندًا. فلم يثبت عنده دليل محقَّق على أنّ تحريم بيع الجمعة يستلزم بطلان العقد؛ وما عنده إلا عمومُ «من عمل عملًا» وتنزيلُه على انحلال العقد، وهو محلّ النزاع.

(قرآن، صحيح) ثبوت الآيات: 62:9، 62:10، 2:275 في مواضعها: تحقّقتُ منها سابقًا بأداة التحقق (match_at_claimed_ref) وقرأتُ نصّها: هي مطابقة لمواضعها، وهذا موضع اتفاق بيننا.

(حديث، صحيح) ثبوت حديثَي عائشة 158_3248 و158_3249 وأنّ سندهما في صحيح مسلم متّصل ورجاله ثقات: حكم الواجهة على كلٍّ منهما «0 صحيح»، وتتبّعتُ سندهما فوجدتهما صحيحين متّصلين، رجالهما ثقات (بيانه في التحليل). والخصم محقّ في هذه الدعوى.

(حديث، صحيح) أنّ مورد 158_3249 فتوى القاسم في وصية بمساكن، أي باب معاملة لا عبادة، فبقي عموم «من عمل عملًا» في المعاملات: المتن كما استخرجتُه: «سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثَةُ مَسَاكِنَ، فَأَوْصَى بِثُلُثِ كُلِّ مَسْكَنٍ مِنْهَا... ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». فالدعوى مطابقة، وعموم اللفظ ثابت لفظًا.

(معجم، صحيح) أنّ نقل الجوهري «بِعْتُ الشيءَ: شَرَيْتُهُ... ويقال للبائع والمشتري: البَيِّعانِ» ثابت في الصحاح: النصّ موجود في صحاح الجوهري (بيع) بلفظه. ودلالته على أنّ البيع اسم العقد صحيحة، لكنّه لا يقرّر أنّ النهي عن البيع وقت النداء يقتضي فساد العقد.

(معجم، صحيح) أنّ لسان العرب (ردد) فيه: «الرد: صرف الشيء ورَجْعُه»، «وردَّ عليه الشيء إِذا لم يقبله»، «وفي حديث عائشة: من عمل عملًا ليس عليه أَمرنا فهو رَدٌّ أَي مردودٌ عليه»، «وهما يتَرادَّان البيعَ: من الرد والفسخ»: كلّ هذه الجمل موجودة في مدخل لسان العرب «ردد» الذي استخرجتُه، بهذا اللفظ، وإن كان البيان قد جمعها من مواضع متفرقة باستخدام نقاط الحذف («...») — وهو تنبيه على صياغة الاقتباس لا على مادّته، فالمادّة ثابتة. لكن الاستنتاج منها محلّ نقد أدناه.

(معجم، في غير موضعه) أنّ اللسان جعل «الردّ» في البيع هو «الفسخ» بعينه، فيكون البيع بعد النداء مردودًا مفسوخًا: عبارة اللسان: «وهما يتَرادَّان البيعَ: من الرد والفسخ» تصف فِعل العاقدين المتقابلين (ترادّ الطرفين)، فهو تفسير لترادّ المتعاقدين عند التقايل، لا نصّ على أنّ مجرّد تحريم البيع أو الأمر بتركه يفسخ العقد من تلقاء نفسه. فالمعجم هنا يوصف العقدين الفاسخين، لا يفيد فسخًا آليًّا بحكم النهي.

(قول عالم، صحيح) أنّ «طرح التثريب» (962_1022) لا سند له، وأنّ سلسلة «text» فيه أسماء مناقشة فقهية لا رواة حديث، وأنّه كتاب فقه لا حديث، ومورده في تلقّي الركبان: استخرجتُ 962_1022: الكتاب «طرح التثريب للعراقي»، تصنيفه فقه، وحكمه «-1 غير محدد»، وhadith_sanad عليه أعطى «no_stored_isnad»، وسلسلة «النص» فيه أسماء الشافعي وأحمد وأبي حنيفة والأوزاعي وسحنون وابن خويز منداد وابن عبد البر... وهي أعلامٌ لا رواةَ إسناد. ونصّه: «اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الْبَيْعَ هَلْ يَبْطُلُ أَمْ لا؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ: لا يَبْطُلُ... فَإِنَّ النَّهْيَ لا يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِ الْعَقْدِ... وَقَالَ آخَرُونَ: يَبْطُلُ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ»، وسياقه في النهي عن تلقّي الركبان.

(أخرى، معزوّ خطأً) أنّ الخصم ادّعى «تحقيق سند» 962_1022: لم أدّعِ تحقيق سنده، بل قلتُ في بياني السابق إنّه «ليس حديثًا مسندًا يُبنى عليه، بل نقلٌ فقهي»؛ وإدراجي له في خانة التحليل بصفة «بتحقيق السند» كان وسمًا غير دقيق من البنية لا ادّعاءً لتتبّع إسناد. فالنسبة إليه غير صحيحة، وإن صحّ أصلُ نفيه كونه حديثًا مسندًا.

(حديث، صحيح) أنّ الأثرين 96_5246 و96_5248 موقوف ضعيف ومرسل منقطع، وأنّ لفظهما تحريم لا بطلان: متن 96_5246 يدور على مجاهد، وفي سنده شكّ سفيان وراوٍ مبهَم؛ ومتن 96_5248 حكاية حال عن ميمون بن أبي شبيب (ت83) تابعيّ لم يدرك عهد النبوة. ولفظ الأوّل «فإنّ بيعه مردود»، ولفظ الثاني «حرم البيع» — فالإقرار صحيح، وقد أسقطهما الخصم بنفسه.

(استدلال، في غير موضعه) أنّ استدلال الخصم «محرَّم صحيح» قائم على احتمالٍ لا قرينة، وعلى قاعدة مستنبَطة من مسألة أخرى، وعلى نقل من الويب لم يتحقّق: الخصم يصف ما أُجيب به عندي، لا ما قرّرت النصوص. والذي أُقرّ به من النصوص محقَّق (الآيات الثلاث وحديثا عائشة)، وتنزيلها على الصحة مع الإثم هو الذي يحتاج دليلًا على أنّ إطلاق النهي عن «البيع» يقتضي بطلان العقد؛ وهذا هو أوّل النزاع لا نتيجةً له.

(استدلال، في غير موضعه) أنّ «القرآن لا يأمر بترك اسم عقد ثم يُبطل عقدَه بعينه»: هذه صيغة بلاغية لا برهانًا؛ والآية إنما تأمر بترك البيع وتُبيّن أنّ الحكم ينقضي بانقضاء الصلاة، وليس فيها نصٌّ على بطلان العقد. والانتقال من الأمر بالترك إلى البطلان هو نفس المقدّمة المتنازع عليها.

تنبيه: الحديث 158_3248: حُكم على الراوي «إبراهيم بن سعد الزهري» (823) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 158_3248: حُكم على الراوي «عائشة بنت أبي بكر» (4049) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 158_3249: حُكم على الراوي «عائشة بنت أبي بكر» (4049) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص
تنبيه: الحديث 962_1022: التحليل مُعلَن «محقَّق» لكن المتحدث لم يجلب السند (hadith_sanad).السند لم يُحقَّق
تنبيه: الحديث 962_1022: لا يتضمن التحليل أي راوٍ بعينه.لم يُحلَّل أي راوٍ
تنبيه: الحديث 96_5246: حُكم على الراوي «عبد الكريم (مبهَم)» (4606 أو 4612) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص