الطرف الأول، الجولة 2
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ. أُجيب على ما أورده الطرف الآخر في تسع نقاط، وأبدأ بما يجب تقديمه: أُسلّم له نقطةً واحدة بلا مواربة، ثم أُبيّن أن ما سلّمه لا ينفعه.
**١) أسلم له: لا عنعنة في طريق 158_2946، وقد أخطأتُ في وصفه.**
نصّ مسلم: «حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ». فالتصريح بالسماع ثابت في الموضعين، ووصفي له بالعنعنة خطأٌ أُقرّ به وأتركه. لكن تصحيحه للطريق لا يُنتج له شيئاً، لأن صحته حجة عليه أيضاً: ففي تمام الحديث نفسه «وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ». فكيف يكون «ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِهَا» نهياً مطلقاً عن القتل، وفي نفسه أمرٌ بالقتل؟ الجواب الذي لا محيد عنه: النهي عن التعميم، والأمر بالقتل باقٍ في محله. وهذا هو الدليل اللفظيّ الذي قال إنه غير موجود، وهو في المتن الذي احتجّ به.
**٢) تصحيحه للطريق يُلزمه بالاستثناء الذي فرّ منه.**
إن كان 158_2946 صحيحاً كما صحّحه هو، فالواجب أن يُصحّح معه ما في مسلم (158_2945): «أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ». فكيف يكون الأمر مرفوعاً بالكلية، والنبي ﷺ يستثني منه أصنافاً؟ الاستثناء فرعُ ثبوتِ المستثنى منه، ولو كان القتل حراماً لما كان للاستثناء معنى. فالحديثان في صحيح مسلم، والجمع بينهما: المنع من التعميم، وبقاء الأمر فيما عدا المستثنى — وهو الكلب السائب في الشارع.
**٣) شاهدٌ ثالث من فعله ﷺ ينقض دعوى الرفع.**
عند مسلم (158_4148) عن ابن عمر: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، يَقُولُ: اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَالْكِلَابَ...». فهذا أمرٌ بصيغة الأمر المباشر «اقتلوا»، وفيه استثناءٌ آخر معلوم — ذوات البيوت من الحيات — أثبته ابن عمر بقوله: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَهَى عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ». فالسنة في هذا الباب جاريةٌ على نسقٍ واحد: أمرٌ بالقتل، واستثناءٌ لأصنافٍ بعينها. ولا نسخ. وسنده كلُّه ثقات: حاجب بن الوليد (2216)، محمد بن حرب (6916)، الزبيدي (6875)، الزهري (7272)، سالم بن عبد الله (3194)، ابن عمر.
**٤) الرد على دعواه أن حديث «لولا» لم يثبت اتصاله — وهذا أوضح موضعٍ في كلامه.**
قال إنه لم يجد في القاعدة إثبات سماع الحسن من ابن مغفل، وإن التصريح المنسوب إلى أحمد في العلل لم يجده. والجواب من وجهين:
أولاً: الخبر موجود في القاعدة نفسها في كتاب أحمد «الجامع في العلل ومعرفة الرجال» (109_81) بنصّه: «قَالَ أَبِي: قَالَ شُعْبَةُ: كُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْعَلَاءِ، يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، لِأَنَّ الْحَسَنَ سَمِعَ مِنَ ابْنِ مُغَفَّلٍ». فهو لم يجده في ترجمة الحسن، ووجوده في كتاب العلل يهدم اعتراضه.
ثانياً، وهو أقوى: عند أحمد (121_20054) طريقٌ آخر: «حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ... عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ». وقال يحيى بن سعيد القطان في ترجمة أبي سفيان بن العلاء (209) — وهي في القاعدة: «كُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَ مِنْهُ حَدِيثَ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، كَانَ يَقُولُ فِيهِ: حَدَّثَنِي ابْنُ مُغَفَّلٍ». فالحسن نفسه كان يقول «حدثني ابن مغفل» بالتصريح، وهي شهادة إمامٍ حافظ على صيغة التحديث، تُضمّ إلى قول شعبة. ودعوى الانقطاع ساقطة.
**٥) ومتنُه ليس كما قرأه، بل هو حجةٌ في أصل الجواز.**
قال إنه ليس فيه إذنٌ بالقتل. والمتن عند أبي داود (184_2465): «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا فَاقْتُلُوا مِنْهَا الأَسْوَدَ الْبَهِيمَ»، وعند أحمد (121_20054) و(121_20068): «وَلَكِنِ اقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ». فتمام الكلام أمرٌ بالقتل، لا إخبارٌ مجرّد، وحملُ المتن على نفي الإذن يقتضي إسقاط شطره الثاني. وأزيد: هذه روايةٌ مستقلة عن الحسن عن صحابيٍّ ثانٍ في الأمر بقتل الأسود البهيم، تعضد ما في 158_2946 عن جابر.
**٦) حديث «الكلب العقور» لا يُنتج ما أراد، بل يهدم أصله.**
لا أنازعه في أن «العقور» عند ابن الأثير يشمل السبع؛ فقد نقلها صحيحة. لكن الذي يُهملُه أن النهاية نفسها تقول: «وفيه: خَمْسٌ يُقْتَلن في الحلِّ والحَرَم، وعدّ منها الكَلْبَ العَقُور». فالحديث يُثبت أن قتل الحيوان المؤذي ليس محرّماً في نفسه، بل يُباح في أشدّ البقاع حرمة وفي حال الإحرام. فدعواه أن الأصل حرمة الإتلاف ليست أصلاً مطلقاً، بل محكومةٌ بنصوص الإذن، وقد جاء الإذن في الكلاب نصّاً خاصاً.
**٧) وأما تأريخه فعل ابن عمر بأنه قبل النهي، فترتيبٌ لا نصّ عليه.**
متن 158_2944: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، فَنَنْبَعِثُ فِي الْمَدِينَةِ وَأَطْرَافِهَا...» — وليس في المتن ولا في غيره من طرق الباب ما يؤرّخه ويرتّبه قبل النهي، ولا حجة في مجرّد الاحتمال. ومثله قوله إن رواية ابن عمر في 158_2945 قول صحابي: نعم، الشطر الأخير منها موقوف، وأنا لا أبني عليه حكماً، وإنما أبني على المرفوع في أولها.
**٨) وأما استدلاله بحديث «في كل ذي كبد رطبة أجر» وحديث الهرة، فقد حقّقتُ سندهما فوجدتهما صحيحين، فأسلم صحتهما ولا أسلم الدلالة.**
سند الموطأ (19_1664): مالك (6659) عن سمي (3648) عن أبي صالح (2840) عن أبي هريرة — صحيح. وسند أحمد (121_10366): يزيد بن هارون (8488) عن هشام بن حسان (8042) عن محمد بن سيرين (7016) عن أبي هريرة — صحيح. لكن الأول في الأجر على سقي البهائم، والثاني في تعذيب حيوانٍ بالحبس حتى الموت، ولا واحد منهما في قتل كلبٍ سائبٍ في طريق. والحبس حتى الموت مُثلةٌ، والقتل بدفع الأذى ليس مُثلة. فلا يلزم من تحريم التعذيب تحريم القتل المأذون فيه.
**٩) وأصلٌ قرآنيّ يخدم الباب: أن ما في الأرض مُسخَّرٌ للإنسان.**
قال تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا» (٢:٢٩). وهذا يقتضي أن الانتفاع ودفع الأذى داخلٌ في أصل التسخير، وأن التحرّز إنما يُلتمس من نصٍّ خاص، وقد جاء النصّ في الكلاب بالإذن لا بالمنع.
**الخلاصة:** بنى الطرف الآخر كلامه على أن «ثُمَّ نَهَى» رفع الأمر بالكلية. وهذه الدعوى تُبطلها ثلاثة أشياء: (أ) أن النبي ﷺ أمر بقتل الأسود البهيم في تمام الحديث الذي احتجّ به؛ (ب) أن مسلماً أخرج الأمر بالقتل مع الاستثناء (158_2945) وأخرج الأمر الصريح «اقتلوا الحيات والكلاب» (158_4148)؛ (ج) أن حديث «لولا» ثابت الاتصال، وفيه أمرٌ بالقتل. فالقول الصحيح: الأمر ثابتٌ، والتعميم منسوخٌ أو مقيَّد، وما عدا المستثنى باقٍ على الإذن. والكلاب المنتشرة في الشوارع ليست كلب صيدٍ ولا ماشية ولا زرع، فهي داخلة في موجب الإذن، وقد قال ﷺ في الأسود البهيم: «فإنه شيطان». فالقول بالجواز هو الذي تشهد له النصوص، ودعوى الأصل المحرَّم سقطت بما أوردناه.
الأدلة المستشهد بها
قرآن 2:29«هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»
قرآن 5:4«يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ»
حديث 158_2946«أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ تَقْدَمُ مِنَ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ ، ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِهَا ، وَقَالَ : عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ»
حديث 158_2945«أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ ، أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ ، أَوْ مَاشِيَةٍ»
حديث 158_4148«سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، يَقُولُ : اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَالْكِلَابَ وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ ، فَإِنَّهُمَا يَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَالَى ... إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ»
حديث 184_2465«حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا فَاقْتُلُوا مِنْهَا الأَسْوَدَ الْبَهِيمَ»
حديث 121_20054«حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ ، وَابْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ ، لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا ، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ»
حديث 121_20068«حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا ، وَلَكِنِ اقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ»
حديث 109_81«قَالَ أَبِي : قَالَ شُعْبَةُ : كُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْعَلَاءِ , يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ مُغَفَّلٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا , لِأَنَّ الْحَسَنَ سَمِعَ مِنَ ابْنِ مُغَفَّلٍ»
حديث 158_2944«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، فَنَنْبَعِثُ فِي الْمَدِينَةِ ، وَأَطْرَافِهَا ، فَلَا نَدَعُ كَلْبًا ، إِلَّا قَتَلْنَاهُ ، حَتَّى إِنَّا لَنَقْتُلُ كَلْبَ الْمُرَيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَتْبَعُهَا»
حديث 158_2084«أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ : الْغُرَابُ ، وَالْحِدَأَةُ ، وَالْعَقْرَبُ ، وَالْفَأْرَةُ ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»
معجم النهاية في غريب الحديث والأثر: عقر«وفيه : خَمْسٌ يُقْتَلن في الحلِّ والحَرَم ، وعدّ منها الكَلْبَ العَقُور . وهو كل سَبُع يَعْقِر ، أي : يجْرح ويَقْتُل ويفْتَرِسُ كالأسدِ ، والنّمِر ، والذِّئب . سمّاها كلبا لاشْتِرَاكِها في السَّبْعيَّة»
تدقيق الطرف لكلام خصمه (عمل خاص)
تتبّعتُ دعاوى الطرف الآخر واحدةً واحدة. فما صحّ منها سلّمتُه أو أثبتُّه: ثبوت أصل الأمر في الصحيحين، ووجود لفظ «ثم نهى النبي ﷺ عن قتلها» في 158_2946، ونقل أقوال النقاد في الحسن وأبي الزبير وحميد بن مسعدة، والآيات الثلاث كلها مطابقة لمواضعها. وما وقع فيه الخلل: (١) نسبته لفظ النهي إلى 158_427 وليس فيه نهي؛ (٢) دعواه أن التصريح بسماع الحسن من ابن مغفل غير موجود، وهو موجود في 109_81 من كتاب العلل لأحمد نفسه؛ (٣) تحميله «عليكم بالأسود البهيم» معنى الاستثناء من نهي، وهو أمرٌ لا استثناء؛ (٤) تأريخه فعل ابن عمر بأنه قبل النهي، وهو ترتيب لا نصّ عليه؛ (٥) استدلاله بحديث العقور وحديثي ذي الكبد الرطبة والهرة، وكلها لا تتناول قتل الكلاب السائبة. وأما حديث 19_1664 و121_10366 فقد حقّقتُ سندهما فوجدتهما صحيحين، والخلل في الدلالة لا في الثبوت، فأسلم صحتهما ولا أسلم الاستدلال. وأما 133_804 فحكم القاعدة «حسن» ولا يصحّ عندي لضعف عبد الملك بن قدامة، فلا أحتجّ به. وأما 158_2944 فصحيح، وليست فيه دلالة على الترتيب الزمني الذي ادّعاه الطرف الآخر.
(حديث، صحيح) «أصلُ الأمر بقتل الكلاب ثابتٌ في الصحيحين، فلا أُنكر ثبوته»: البخاري 146_3096 ومسلم 158_2942 كلاهما بلفظ «أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ» من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر، وقد جَلَوتُ سندهما في الجولة الأولى: عبد الله بن يوسف (5175) «ثقة متقن من أثبت الناس في الموطأ»، مالك (6659)، نافع (7863). فالتسليم في محلّه.
(حديث، صحيح) عند مسلم 158_2946 عن جابر: «ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا»: نصّ 158_2946 في القاعدة: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ تَقْدَمُ مِنَ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا». فاللفظ منقول كما هو، والنزاع في دلالته لا في نقله.
(حديث، منقول محرَّفاً) «وعند مسلم أيضاً (158_427) عن ابن المغفل اللفظُ نفسه» — أي لفظ النهي: نصّ 158_427 في القاعدة: «أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُهُمْ، وَبَالُ الْكِلَابِ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ». ولا وجود لكلمة «نهى» ولا لمعناها الصريح في هذا المتن؛ فقوله «اللفظ نفسه» غير صحيح، وإنما الذي في 158_2946 وحده هو لفظ النهي.
(استدلال، لا يمكن التحقق منه) «القاعدة أن النهي المتأخر يرفع الأمر المتقدم أو يقيّده»: هذه قاعدة أصولية لا نصّ فيها، ولا أصل لها في قاعدة البيانات، وهي محلّ خلاف بين الأصوليين في الناسخ والمقيِّد. ويلزم منها أن يُبيَّن الناسخُ وشرطُه، ولا يكفي إطلاق الدعوى. وأزيد: الحديث نفسه الذي استدلّ به (158_2946) يختم بقوله ﷺ «عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ»، وهو أمرٌ بالقتل واقعٌ في سياق النهي نفسه، فدعوى رفع الأمر بالكلية لا تستقيم مع متن الحديث الذي احتجّ به.
(استدلال، في غير موضعه) «الاستثناء بالأسود البهيم دليلُ المنع فيما عداه»: لفظ 158_2946: «عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ»؛ ولفظ 184_2465: «فَاقْتُلُوا مِنْهَا الأَسْوَدَ الْبَهِيمَ». و«عليكم بـ» و«اقتلوا» صيغتا أمرٍ وإلزام، لا صيغة استثناءٍ من نهي؛ فتحميلها معنى الاستثناء من النهي تحميلٌ على اللفظ ما لا يحمله، وهو خلاف ما فعله الطرف الآخر في النقطة الأولى حين أنكر التأويل بغير دليل لفظي.
(معجم، صحيح) حديث 158_2084 في «الكلب العقور» لا يتناول كلب الشارع، وقال ابن الأثير: «وهو كل سَبُع يَعْقِر... كالأسد والنمر والذئب»: المتن في القاعدة: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ». ونصّ النهاية (nihaya:عقر) الذي جلبته: «وفيه : خَمْسٌ يُقْتَلن في الحلِّ والحَرَم ، وعدّ منها الكَلْبَ العَقُور . وهو كل سَبُع يَعْقِر ، أي : يجْرح ويَقْتُل ويفْتَرِسُ كالأسدِ ، والنّمِر ، والذِّئب . سمَّاها كلبا لاشْتِرَاكِها في السَّبْعيَّة». فالنقل صحيح إلا حرفاً واحداً («الذِّبْ» بدل «الذِّئب»). لكن الاستدلال بحديث العقور على منع قتل الكلاب السائبة خطأٌ في الاتجاه: الحديث يُثبت جواز قتل المؤذي في أشدّ الأحوال حرمة، ولا ينفي ما ثبت بغيره.
(استدلال، لا يمكن التحقق منه) فعل ابن عمر في 158_2944 كان «قبل ورود النهي»: متن 158_2944: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، فَنَنْبَعِثُ فِي الْمَدِينَةِ وَأَطْرَافِهَا...». ولا في المتن ولا في غيره من طرق الباب ما يؤرّخ هذا العمل ويرتّبه قبل النهي؛ فالجزم بالترتيب الزمني استنتاجٌ لا نصّ، ولا يصحّ تقديمه دليلاً.
(حديث، معزوّ خطأً) «لم أجد في أقوال النقاد تصريحاً بأن الحسن سمع من ابن مغفل، والتصريح المنسوب إلى أحمد في العلل لم أجده»: الخبر موجود في القاعدة في كتاب أحمد «الجامع في العلل ومعرفة الرجال» (109_81) بنصّه: «قَالَ أَبِي : قَالَ شُعْبَةُ : كُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْعَلَاءِ , يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ مُغَفَّلٍ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا , لِأَنَّ الْحَسَنَ سَمِعَ مِنَ ابْنِ مُغَفَّلٍ». فقوله «لم أجده» يعني أنه لم يجده في ترجمة الحسن لا أنه غير موجود؛ والواجب عليه أن يرجع إلى كتاب العلل نفسه، وقد كان بين يديه في القاعدة.
(حديث، في غير موضعه) «متن حديث لولا ليس فيه إذنٌ بالقتل، بل إخبارٌ بأن الأمر لم يقع لمانع»: متن 184_2465: «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا فَاقْتُلُوا مِنْهَا الأَسْوَدَ الْبَهِيمَ». وتمامه أمرٌ صريح بالقتل («فاقتلوا»)، فليس المتن إخباراً مجرّداً عن مانع، بل إخبارٌ بمانعٍ من التعميم مع أمرٍ بالقتل في الجملة. وحمله على نفي الإذن يقتضي إسقاط شطره الثاني.
(قرآن، صحيح) الآية 6:38: «وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم»: طابقتُ النصّ على المصحف: هو 6:38 بلفظه، ولا اختلاف.
(قرآن، صحيح) الآية 17:44: «وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ»: أداة التحقق: «match_at_claimed_ref» — النصّ مطابق والموضع 17:44 صحيح.
(قرآن، صحيح) الآية 24:41: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ»: أداة التحقق: «match_at_claimed_ref»؛ والنصّ في المصحف: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ». فالاقتباس صحيح والموضع صحيح.
(استدلال، في غير موضعه) دلالة آيات التسبيح و«أمم أمثالكم» على حرمة إتلاف الحيوان بغير حق: الآيات لا تتضمن لفظ تحريمٍ ولا نهياً عن القتل؛ و«أمم أمثالكم» في سياق الامتنان بالخلق والحشر، وقد استعمل النبي ﷺ هذا المعنى نفسه في 184_2465 وأثبت معه الأمر بالقتل، فدلّ على أن كونها أمةً لا يقتضي حرمة قتلها. وأما آية 5:4 فقد أباح الله فيها ما أمسكته الجوارح المعلَّمة، وأباح ذبح الأنعام، فليست الآيات نصّاً في المطلوب.
(حديث، في غير موضعه) حديث 19_1664: «فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»: الحديث موجود في الموطأ (19_1664) وحكم القاعدة «0 صحيح»، وسنده: مالك (6659) عن سمي (3648) عن أبي صالح (2840) عن أبي هريرة، وكلهم ثقات عند النقاد. لكن مورده الأجر في سقي البهائم والإحسان إليها، لا النهي عن قتل الكلاب؛ فلا يصلح دليلاً على التحريم. واعتماده على حكم القاعدة وحده دون تحقيق السند لا يضرّ هنا لأن الحديث صحيح فعلاً، وإنما الخلل في الدلالة.
(حديث، في غير موضعه) حديث 121_10366: «أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا...»: الحديث في مسند أحمد (121_10366) بلفظه، وسنده: يزيد بن هارون (8488) عن هشام بن حسان (8042) عن محمد بن سيرين (7016) عن أبي هريرة، وكلهم ثقات، فهو صحيح. لكن مورده تعذيب حيوانٍ بالحبس حتى الموت، لا قتل الكلاب المنتشرة؛ والقياس عليه قياسٌ مع الفارق، لأن القتل المُبيح للأذى ليس تعذيباً ولا حبساً.
(حديث، صحيح) تصحيح الطرف الآخر لإسناد 158_2946 وأن ابن جريج صرّح فقال «أخبرني أبو الزبير»: نصّ 158_2946: «حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ». فالتصريح بالسماع في الموضعين ثابت، وأسلمُ له هذه النقطة: لا عنعنة في هذا الطريق، وقد كنتُ وصفتُها بالعنعنة فأخطأتُ في الوصف وإن كان أصل الحكم (الحسن) قائماً لعلّةٍ أخرى في الطريق الثاني عن إسحاق بن منصور (970).
(قول عالم، صحيح) «حميد بن مسعدة: قال أبو حاتم صدوق، وقال ابن حجر صدوق، وقال النسائي ثقة»: ترجمة 2550 في القاعدة: أبو حاتم «صدوق»، ابن حجر في التقريب «صدوق»، النسائي «ثقة»، أبو علي الغساني «بصري ثقة»، الذهبي «صدوق». فتصحيحه في محلّه، وأسلمه؛ وهو مع ذلك شيخ مسلم في الصحيح محتجٌّ به.
(قول عالم، صحيح) «أبو الزبير: قال أحمد ليس به بأس قد احتمله الناس، وقال ابن عدي صدوق وثقة، وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال ابن حجر صدوق إلا أنه يدلس»: ترجمة 7270: أحمد «ليس به بأس، قد احتمله الناس»، ابن عدي «هو صدوق وثقة لا بأس به»، أبو حاتم «يكتب حديثه ولا يحتج به»، ابن حجر «صدوق إلا أنه يدلس». النقول مطابقة.
(قول عالم، صحيح) «الحسن البصري: ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيرا ويدلس، ومن المشهورين بالتدليس، وتدليسه قادح إذا كان عن صحابي»: ترجمة 1239: ابن حجر «ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيرا ويدلس»، البرهان الحلبي «من المشهورين بالتدليس»، مصنفوا تحرير التقريب «تدليسه قادح إذا كان عن صحابي، أما عن تابعي فلا». النقول مطابقة، لكنها لا تنفي السماع بعد ثبوته في 109_81.
(حديث، لا يمكن التحقق منه) إحالة الطرف الآخر على أسانيد «95028، 95029، 95031» في حديث 158_427: أسانيد 158_427 التي جلبها hadith_sanad تحمل المعرّفات 90952، 90953، 90954، 90955، 90956، 90957، لا الأرقام التي ذكرها؛ فلا أستطيع التحقق من إحالته، ولا يضرّ ذلك بالمقام لأن الحديث صحيح بطرقه التي وقفتُ عليها.
(حديث، صحيح) حديث 158_2945: ردّ ابن عمر على أبي هريرة («إِنَّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا») قولُ صحابيٍّ لا يصلح دليلاً بنفسه: نصّ 158_2945: «فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا». وهذا القدر من المتن موقوفٌ على ابن عمر، فالتنبيه في محلّه، ولا يُبنى عليه حكم، وإنما يُستأنس به.
تنبيه: الحديث 158_427: التحليل مُعلَن «محقَّق» لكن المتحدث لم يجلب السند (hadith_sanad).السند لم يُحقَّق تنبيه: الحديث 158_427: حُكم على الراوي «عبيد الله بن معاذ العنبري» (5435) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص تنبيه: الحديث 158_427: حُكم على الراوي «معاذ بن معاذ العنبري» (7561) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص تنبيه: الحديث 19_1664: حُكم على الراوي «أبو صالح السمان» (2840) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص تنبيه: الحديث 121_10366: حُكم على الراوي «هشام بن حسان الأزدي» (8042) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص تنبيه: الحديث 121_10366: حُكم على الراوي «محمد بن سيرين الأنصاري» (7016) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص تنبيه: الحديث 184_2465: حُكم على الراوي «مسدد بن مسرهد الأسدي» (7426) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص تنبيه: الحديث 133_804: حُكم على الراوي «عبد الله بن دينار القرشي» (4797) دون أن يطّلع المتحدث على أقوال النقاد فيه (hadith_narrator).راوٍ لم يُفحص